EN: https://kedencentre.org/2025/11/22/field-report-on-the-bombing-of-al-mazroub-area-in-north-kordofan-state/
الملخص
في صباح السابع عشر من أكتوبر عام 2025، تحولت قرية صغيرة في غرب ولاية شمال كردفان إلى مسرح مأساوي لجريمة حرب محتملة، حين استهدفت طائرة مسيّرة يُعتقد أنها تتبع للقوات المسلحة السودانية اجتماعًا أهليًا للصلح بين ممثلين عن قبيلة المجانين وقيادات من قوات الدعم السريع.
تشير نتائج البحث الميداني الذي أجراه مرصد كادن، بعد مقابلات أجريت مع شهود عيان ومواطنين من المنطقة وقيادات من الإدارة الأهلية لقبيلة المجانين، إلى أن القصف أسفر عن مقتل نحو 53 شخصًا بينهم الناظر سليمان جابر جمعة سهل، وعدد من عمد ومشايخ القبيلة، إضافة إلى إصابة آخرين ونزوح أكثر من 230 شخصًا من قرية المزروب إلى مناطق متفرقة داخل محلية بارا.
يؤكد تسلسل الأحداث وشهادات الأهالي أن الاجتماع الذي استُهدف لم يكن ذا طبيعة عسكرية، بل كان مخصصًا لاحتواء نزاع محدود وقع في الليلة السابقة بين أفراد من القرية وعناصر من قوات الدعم السريع. وتكشف الحادثة عن تصاعد خطير في استخدام الطائرات المسيّرة في النزاع السوداني دون تمييز واضح بين الأهداف المدنية والعسكرية.
خلفية عن المنطقة والسياق العام
تقع منطقة المزروب في الجزء الغربي من ولاية شمال كردفان، وتتبع إداريًا لمحلية النهود. تمتد على الطريق الحيوي الذي يربط مدينة النهود بمناطق الخوي وأم روابة شرقًا، وتمتد غربًا نحو حدود ولاية غرب كردفان، بينما تحدها من الشمال مدينة النهود ومن الشرق منطقة الخوي، ومن الغرب أراضي دار حامد والمجانين، ومن الجنوب مناطق تتصل إداريًا بولاية غرب كردفان.
تتميز المنطقة بطابعها الريفي المحافظ، وتعتمد غالبية سكانها على الزراعة والرعي والتجارة المحلية. وقد ظلت المزروب، قبل اندلاع النزاع، منطقة هادئة تتوسط عدداً من القبائل ذات الروابط الاجتماعية الممتدة.
في منتصف أكتوبر عام 2024، سيطرت قوات الدعم السريع على المنطقة في سياق توسعها العسكري داخل ولاية شمال كردفان عقب انسحاب القوات النظامية منها دون قتال كبير. جاء ذلك بعد أن نزح معظم السكان إثر الأنباء المتواترة عن القتال العنيف في مدينتي بارا والنهود. ومنذ ذلك الوقت أصبحت المزروب ضمن المناطق الخاضعة فعليًا لسيطرة الدعم السريع، مما جعلها لاحقًا ساحة تداخل نفوذ بين القوى العسكرية والقبلية.
الخلفية القبلية والاجتماعية
تُعد قبيلة المجانين من أبرز القبائل في ولايتي شمال وغرب كردفان، وهي من المجموعات التي ارتبطت تاريخيًا بالإدارة الأهلية والنظام القبلي التقليدي في السودان الأوسط. تشتهر القبيلة بامتدادها الواسع وصلاتها القوية بقبائل دار حامد والحمر والكبابيش، وبامتلاكها نفوذًا اجتماعيًا واقتصاديًا واسعًا في المنطقة.
كان الناظر سليمان جابر جمعة سهل – الذي قُتل في القصف – أحد أبرز رموز الإدارة الأهلية في كردفان، عُرف بحكمته وسعيه الدائم إلى المصالحات القبلية واحتواء النزاعات بين المكونات المحلية. وقد مثّل وجوده عنصر توازن مهمًا في المشهد الأهلي خلال سنوات الحرب الأخيرة، إذ كان يسعى إلى تجنيب مناطق نفوذه ويلات الاقتتال المباشر.
كان للناظر الراحل علاقات تواصل مع مختلف الأطراف، بما في ذلك قيادات من الدعم السريع، الأمر الذي جعله وسيطًا مقبولًا في النزاعات الصغيرة التي كانت تندلع بين المكونات المحلية والقوات المتمركزة في المنطقة.
وقائع الحادثة
في مساء يوم الخميس السادس عشر من أكتوبر 2025، وقعت شرارة الحادثة حين دخل خمسة أفراد من قوات الدعم السريع إلى أحد محال خدمة الإنترنت المعروف باسم “ستار لينك” في قرية المزروب، محاولين نهب المكان. تصدى لهم عدد من شباب القرية، واندلع اشتباك محدود انتهى بمقتل ثلاثة من عناصر الدعم السريع وفرار أحدهم.
لاحقًا في تلك الليلة، تحركت قوة كبيرة تابعة للدعم السريع من متحرك قريب نحو القرية بعد أن تلقت بلاغًا مضللًا يفيد بأن المنطقة تؤوي من تصفهم بـ”الفلول”، أي مجموعات معادية متهمة بقتل أفرادها. ومع اقتراب القوة من القرية، تدخلت الإدارة الأهلية لقبيلة المجانين بقيادة العمدة عبد الحفيظ أبو ركوك وعدد من وجهاء القبيلة، وتمكنوا من تهدئة الموقف والاتفاق على عقد اجتماع صلح في صباح اليوم التالي بمشاركة ممثلين عن الطرفين.
في صباح الجمعة السابع عشر من أكتوبر، بدأ الاجتماع في منطقة غابية شرق قرية المزروب، حضره وفد من الإدارة الأهلية برئاسة الناظر سليمان جابر جمعة سهل وعدد من عمد ومشايخ القبيلة، إلى جانب قيادات ميدانية من الدعم السريع. كان الجو مشحونًا بالحذر لكن الأمل في التهدئة كان حاضرًا بقوة.
وبينما كانت الجلسة في بدايتها، حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا، ظهرت في سماء المنطقة طائرة مسيّرة حلّقت لدقائق قبل أن تطلق ثلاث قذائف متتالية. سقطت الأولى مباشرة على موقع الاجتماع فأبادت أغلب الحاضرين، فيما أصابت الثانية والثالثة العربات المتوقفة على مقربة من المكان.
أسفر القصف عن مقتل سبعة عشر شخصًا في الحال، بينهم الناظر سليمان جابر جمعة سهل والعمدة وعدد من القيادات المحلية، بينما توفي أربعة آخرون لاحقًا متأثرين بجراحهم في مستشفى علوية ياسين بمدينة الأبيض. ومع توالي عمليات الإجلاء وتوثيق الحالات، ارتفع العدد الكلي للضحايا إلى ثلاثة وخمسين قتيلًا من أبناء قبيلة المجانين، إلى جانب أكثر من خمسة جرحى.
من بين القتلى أيضًا الأستاذ محمد حامد، رئيس حزب التجمع الاتحادي بولاية شمال كردفان وأحد قيادات قوى الحرية والتغيير في الولاية، ما أضفى على الحادثة بعدًا سياسيًا واجتماعيًا أعمق.
ما بعد القصف
أحدثت الضربة حالة من الذعر والفوضى بين السكان، وترددت أصوات الانفجارات في أنحاء المنطقة، فيما ساد الارتباك بين من تبقى من الطرفين في موقع الحدث. بدأ الأهالي في نقل الجرحى والبحث بين الأنقاض عن ذويهم، بينما انتشرت قوات الدعم السريع في محيط القرية لإجلاء القتلى.
في غضون ساعات قليلة، خيّم الحزن على المنطقة بأكملها، وتوافدت وفود العزاء من القرى المجاورة وسط حالة من الغضب والحيرة. تبادل الأهالي وقوات الدعم السريع الاتهامات حول الجهة التي تقف خلف الضربة، فيما ظل الغموض يلف المشهد لعدة أيام قبل أن تشير الدلائل إلى أن الطائرة التي نفذت الهجوم يُعتقد أنها تابعة للقوات المسلحة السودانية.
مع مرور الأيام، بدأ نزوح واسع للسكان، إذ غادر نحو 230 شخصًا من قرية المزروب إلى قرى ومناطق أكثر أمانًا داخل محلية بارا. وفي محاولة للحفاظ على تماسك البنية الاجتماعية، تم تعيين محمد سليمان جابر، نجل الناظر الراحل، عمدةً جديدًا لقبيلة المجانين خلفًا لوالده الذي قُتل في القصف، في خطوة رمزية لتأكيد استمرارية القيادة الأهلية رغم الجرح العميق الذي خلّفه الحدث.
من المسؤول عن الهجوم؟
منذ اللحظات الأولى للقصف، ساد الغموض بشأن الجهة التي نفذت الهجوم، إذ لم تصدر أي جهة عسكرية أو سياسية بيانًا رسميًا يتبنى العملية أو يوضح ملابساتها. لكن شهادات الأهالي والمصادر المحلية التي تحدث إليها مرصد كادن أشارت إلى أن الطائرة التي نفذت الضربة كانت من طراز يستخدم عادة في العمليات الجوية التي تشنها القوات المسلحة السودانية في ولايات دارفور وكردفان خلال الأشهر الأخيرة. وأفاد بعض شهود العيان بأن الطائرة المسيّرة حلّقت على ارتفاع منخفض لفترة وجيزة قبل أن تطلق القذائف الثلاث بدقة نحو مكان الاجتماع، ما يوحي بأن الهدف كان مرصودًا مسبقًا.
في المقابل، نفى عدد من منسوبي قوات الدعم السريع في المنطقة علمهم المسبق بالهجوم، وأكدوا أن القوة المتمركزة في أطراف المزروب لم تتلق أي إشعار أو تنسيق جوي قبل وقوع القصف، وهو ما يتسق مع حالة الارتباك التي أصابت عناصرها لحظة الانفجار. من جهة أخرى، يرى بعض الأهالي أن العملية قد تكون نتيجة خطأ في المعلومات الاستخباراتية، إذ جرى تفسير الاجتماع الأهلي على أنه تجمع لقادة ميدانيين من الدعم السريع، خاصة أنه عُقد في منطقة غابية مغلقة لا تبعد كثيرًا عن مواقع تمركز قواتهم.
تذهب فرضية أخرى – أقل تداولًا ولكنها موجودة في بعض الروايات المحلية – إلى احتمال أن يكون الهجوم مقصودًا لاستهداف رموز الإدارة الأهلية التي كانت تحاول لعب دور الوسيط بين الطرفين، وهو ما إن صحّ يعكس تحولًا خطيرًا في نمط الصراع نحو استهداف الزعامات المجتمعية التي تمثل خط الدفاع الأخير أمام انهيار النسيج الاجتماعي في الإقليم.
ورغم تعدد الفرضيات، يظل الثابت أن الضربة وُجهت نحو اجتماع ذي طابع مدني وسلمي بحت، لم يكن في محيطه أي وجود عسكري ظاهر. وهو ما يجعل العملية – حتى في حال افتراض الخطأ في التقدير – انتهاكًا صريحًا لقواعد الاشتباك وللقانون الدولي الإنساني، الذي يوجب على أطراف النزاع التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، وتجنب أي عمل قد يعرض المدنيين للخطر.
إن غياب التحقيق الرسمي ورفض الأطراف العسكرية الكشف عن تفاصيل العملية يعمّق الشكوك حول نوايا الفاعلين، ويُبقي الباب مفتوحًا أمام احتمالات متعددة. ويؤكد مرصد كادن أن تحديد المسؤولية بدقة يتطلب تحقيقًا ميدانيًا مستقلاً وشفافًا بمشاركة جهات محايدة قادرة على الوصول إلى مكان الحادث، وتحليل بقايا المقذوفات ومصادر إطلاقها لتحديد الجهة التي تتحمل المسؤولية القانونية والإنسانية عن المجزرة.
استنتاجات عامة حول الحدث
تكشف المعلومات التي جمعها مرصد كادن من الميدان عن أن الاجتماع المستهدف لم يكن عسكريًا أو ذا طابع عدائي، بل كان مبادرة أهلية لحل نزاع محلي محدود، مما يجعل استهدافه غير مبرر من الناحية القانونية أو الأخلاقية.
إن استخدام الطائرات المسيّرة في هذا السياق يشير إلى تصعيد خطير في مسار الحرب داخل السودان، حيث تزايدت العمليات التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وهو ما يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني ولمبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين.
ورغم أن المعطيات الأولية ترجّح أن الطائرة المسيّرة تابعة للقوات المسلحة السودانية، فإن تحديد المسؤولية القانونية الدقيقة يظل رهينًا بتحقيق مستقل ومحايد تشارك فيه جهات حقوقية ومنظمات دولية.
تُبرز هذه الحادثة هشاشة الوضع الأمني في شمال كردفان، وتكشف عن المخاطر التي تحيط بالوسط الأهلي جراء تداخل خطوط النار بين القوات النظامية والمجموعات المسلحة. كما أن مقتل الناظر سليمان جابر جمعة سهل ترك فراغًا كبيرًا في القيادة التقليدية، وأثار مخاوف من تفكك النسيج الاجتماعي الذي ظل، لعقود طويلة، صمام أمان في وجه الصراعات القبلية في كردفان.
إن المزروب، التي كانت يومًا قرية هادئة على أطراف الصحراء، أصبحت بعد هذا القصف رمزًا لمأساة أوسع يعيشها المدنيون في السودان، حين تُستهدف جهود الصلح بدلًا من أن تُصان، ويُقتل الساعون إلى السلام بأدوات الحرب ذاتها التي كان يسعون إلى إخمادها.
توصيات وملاحظات ختامية
استنادًا إلى الشهادات الميدانية والمعلومات التي جمعها مرصد كادن من مصادر متعددة، فإن الحادثة تمثل خرقًا واضحًا لقواعد النزاع المسلح وتستوجب تحركًا عاجلًا على المستويين المحلي والدولي. وفي هذا الإطار، يوصي المرصد بما يلي:
- فتح تحقيق عاجل ومستقل تحت إشراف جهات محايدة، لتحديد الجهة المسؤولة عن تنفيذ القصف، وضمان محاسبة المتورطين في إصدار الأوامر أو تنفيذ العملية.
- تمكين منظمات المجتمع المدني المحلية من الوصول إلى المنطقة وجمع الأدلة الميدانية قبل أن تتعرض للتلف أو العبث، بما في ذلك بقايا المقذوفات والمقاطع المصورة وشهادات الشهود.
- تقديم الدعم الإنساني والنفسي للناجين وأسر الضحايا، لا سيما في ظل النزوح الواسع الذي تسببت فيه الحادثة داخل محلية بارا.
- ضمان حماية القيادات الأهلية والمجتمعية التي تلعب دور الوسيط بين الأطراف المتحاربة، ووقف استهدافها أو تقييد تحركاتها.
- العمل على منع تكرار مثل هذه الحوادث عبر مراجعة سياسات استخدام الطائرات المسيّرة والتأكد من مطابقتها لقواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة فيما يتعلق بالتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.
يؤكد مرصد كادن أن حماية المدنيين في مناطق النزاع تمثل مسؤولية جماعية، وأن استمرار الإفلات من العقاب سيقود إلى مزيد من الانتهاكات المتكررة. إن العدالة للضحايا في المزروب ليست شأنًا محليًا فحسب، بل هي اختبار لقدرة المجتمع الدولي على فرض مبادئ المساءلة في حربٍ طال أمدها وتعددت فصولها من دون أن يجد المدنيون فيها مأمنًا من النيران



