السودان على حافة اللغة

EN: https://kedencentre.org/2025/11/24/sudan-on-the-edge-of-language_en/

 

الملخص التنفيذي

 

  1. خلفية عامة

يشهد السودان منذ اندلاع الحرب في عام 2023 موجة غير مسبوقة من الانقسام الاجتماعي والسياسي، انعكست بوضوح في الفضاء الرقمي عبر تصاعد خطاب الكراهية والانفصال.

وقد قام مركز كادن، ضمن برنامج صوت آمن، بإجراء تحليل نوعي وكمّي لـــ400 حالة منشور وتعليق رقمي على منصات (فيسبوك، إكس، تيك توك) خلال أشهر يونيو، يوليو، أغسطس 2025، بهدف فهم العلاقة بين خطاب الكراهية وخطاب الانفصال ورصد التحولات اللغوية والاجتماعية التي تعبّر عن تفتت الهوية الوطنية.

 

  1. منهجية الرصد والتحليل

اعتمد التقرير على منهجين متكاملين:

التحليل النوعي: دراسة السمات اللغوية والدلالية والرمزية في النصوص الرقمية، وتصنيفها ضمن فئات: التجريد الإنساني – التحريض – التهديد – الشرعنة الزائفة.

التحليل الكمي: استخراج المؤشرات الرقمية من ثلاثة جداول بيانات تغطي منشورات رُصِدت خلال فترة الدراسة، وتحليل تكرارات الأنماط والارتباطات بينها.

تمت معالجة البيانات باستخدام أدوات التحليل الرقمي وبرنامج NVivo لتحديد الاتجاهات الخطابية وتوزيعها الجغرافي والموضوعي.

 

  1. أبرز النتائج

أ. تصاعد الخطاب الانفصالي

زادت المنشورات الداعية للانفصال بنسبة تفوق 35% بين يونيو وأغسطس 2025.

المنصات الأكثر نشاطًا: فيسبوك (48%)، إكس (34%)، تيك توك (18%).

 

ب. ارتباط وثيق بين الانفصال والكراهية

أكثر من 70% من المنشورات الانفصالية تضمنت مضامين تجريد إنساني أو تحريض مباشر.

في 45% من الحالات، ظهر التحريض اللفظي والتهديد بالعنف كعنصر مرافق للدعوة إلى الانفصال.

 

ج. أنماط التيارات الانفصالية

تم تحديد ثلاث تيارات رئيسية:

  1. تيار “النهر والبحر” – يطرح الانفصال الوقائي استنادًا إلى “النقاء الجغرافي والثقافي”.
  2. تيار “دارفور الكبرى” – يُقدّم الانفصال بوصفه تحررًا من الظلم التاريخي.
  3. تيار “ الوسط ” يقدم الانفصال كحالة انسحاب نتيجة الفوضي وتخلي الدولة عن مجتمعات الوسط عقب سيطرة الدعم السريع علي وسط السودان .

 

د. شدة الخطاب وتحوّله النوعي

– ارتفع متوسط حدة الخطاب من 3/5 إلى 4/5 خلال فترة الدراسة.

– الانتقال من اللغة التحليلية إلى اللغة التعبوية والتحريضية مؤشر على تطبيع الكراهية كوسيلة تعبير سياسي.

 

 

  1. الدلالات العامة

 

  1. الخطاب الانفصالي أصبح أداة لإعادة إنتاج الكراهية الجهوية، لا مشروعًا سياسياً قائماً على الحقوق.
  2. مفهوم الحق في تقرير المصير يجري استخدامه بشكل تحريضي لتبرير العزل والتمييز.
  3. تفكّك الهوية الوطنية في الفضاء الرقمي يعكس انهيار الثقة بين المكوّنات السودانية وغياب صوت جامع للسودانيين
  4. استمرار هذا الخطاب دون تدخل سيقود إلى مأسسة الكراهية الرقمية وتحويلها إلى بنية فكرية واجتماعية يصعب تفكيكها مستقبلاً.

 

  1. التوصيات

 

أ. على مستوى السياسات العامة

– إطلاق ميثاق وطني لمكافحة خطاب الكراهية والانفصال، تشارك في صياغته مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.

– تضمين قضايا الكراهية الرقمية في مسارات العدالة الانتقالية، بوصفها جرائم رمزية ساهمت في تفكيك النسيج الاجتماعي.

– إصلاح القوانين الإعلامية والرقمية لضمان حرية التعبير دون السماح بالتحريض على التمييز أو العنف.

 

ب. على مستوى الإعلام الرقمي والمجتمع المدني

– تأسيس مرصد رقمي دائم لرصد ومتابعة تطور خطاب الكراهية والانفصال على الإنترنت.

– تعزيز خطاب المواطنة والتنوع الثقافي عبر حملات مضادة (#صوت_آمن، #السودان_يجمعنا).

– التعاون مع المنصات الدولية (Meta، X، TikTok) لتفعيل سياسات الإبلاغ والحذف للمحتوى المحرض.

 

ج. على مستوى البحث والتوثيق

– إنشاء قاعدة بيانات وطنية لخطاب الكراهية والانفصال تتيح للباحثين تحليل الاتجاهات بمرور الزمن.

– دعم الدراسات المقارنة بين السودان وتجارب الدول التي شهدت انقسامات مشابهة.

– توسيع برامج التدريب للباحثين والإعلاميين على أدوات تحليل الخطاب الرقمي.

 

يؤكد هذا التقرير أن السودان يعيش أخطر مراحل التفكك الرمزي، حيث لم تعد الحرب تُدار بالسلاح فقط، بل باللغة والكلمة والرمز.

إن مواجهة خطاب الانفصال والكراهية تتطلب استراتيجية شاملة تمزج بين الردع القانوني، والتثقيف المجتمعي، والإصلاح السياسي.

فاللغة التي تُقسِّم يمكن أن تُعيد أيضًا البناء — متى ما أُعيد تعريفها كأداة للعدالة والكرامة والعيش المشترك.

 

 

 المقدمة والسياق العام

 

  1. خلفية التقرير

 

يأتي هذا التقرير ضمن برنامج “صوت آمن” الذي ينفذه مركز كادن للعدالة وحقوق الإنسان في إطار جهوده لتعزيز ثقافة الخطاب الآمن ومكافحة الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني.

وقد فرضت الحرب المستمرة في السودان منذ عام 2023 واقعًا جديدًا من التفكك المجتمعي والانقسام السياسي، حيث تحولت المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة للتعبئة والتحريض وإعادة إنتاج السرديات الجهوية والعرقية.

 

في هذا السياق، برزت ظاهرة الخطاب الانفصالي كأحد أخطر مظاهر الأزمة، إذ لم تعد الدعوات إلى الانفصال تُطرح بوصفها خيارًا سياسيًا قائمًا على مبدأ تقرير المصير، بل كامتداد مباشر لخطاب الكراهية والتهميش والتمييز المتبادل بين المكونات السودانية.

ومن هنا، جاء هذا التقرير لرصد وتحليل هذه الظاهرة كمؤشر لغوي واجتماعي على عمق التصدعات التي تهدد مستقبل السودان ووحدته الرمزية.

 

  1. أهمية التقرير

 

يُعد هذا التقرير الأول من نوعه الذي يدمج بين التحليل النوعي والكمّي لرصد أنماط الكراهية والانفصال في المحتوى الرقمي السوداني، بالاعتماد على عينة واسعة تضم 400 حالة منشور وتعليق رقمي على منصات فيسبوك، إكس (تويتر)، وتيك توك، تم جمعها خلال يونيو – أغسطس 2025.

وتكمن أهميته في كونه:

– يقدّم تحليلًا علميًا ممنهجًا للغة الكراهية والانفصال بعيدًا عن الانطباعات السياسية.

– يربط بين الظواهر الخطابية الرقمية وبين التحولات البنيوية في المجتمع السوداني.

– يوفّر قاعدة بيانات نوعية يمكن استخدامها لاحقًا في برامج العدالة الانتقالية أو الرصد الحقوقي.

 

 

  1. إشكالية التقرير

 

تنطلق الإشكالية المركزية للتقرير من السؤال الآتي:

 

– كيف يتفاعل خطاب الكراهية وخطاب الانفصال في الفضاء الرقمي السوداني؟

– وهل يمثّل خطاب الانفصال ممارسة لحقٍّ مشروع في تقرير المصير، أم أنه أداة لتبرير التمييز والعنف الرمزي؟

تنبع أهمية هذا السؤال من تداخل مفهومي الحرية والعدالة في السياق السوداني الراهن؛ إذ يطرح الانفصال كرمز للمظلومية، لكنه في الوقت ذاته يُعاد إنتاجه كلغة للإقصاء.

 

 

  1. أهداف التقرير

 

يهدف التقرير إلى:

  1. رصد وتحليل أنماط الخطاب الانفصالي على المنصات الرقمية السودانية.
  2. فهم العلاقة بين الانفصال وخطاب الكراهية بمستوياته المختلفة (التحريض، التجريد، التهديد، الشرعنة).
  3. تحديد الفاعلين والتيارات الأساسية المنتجة للخطاب الانفصالي.
  4. تقديم توصيات عملية وحقوقية لدعم خطاب وطني جامع ومناهض للكراهية.

 

 

  1. فرضيات التقرير

أن الخطاب الانفصالي لا يمكن فصله عن بنية خطاب الكراهية.

أن تصاعده يمثل انعكاسًا للأزمة الوطنية أكثر من كونه مشروعًا سياسياً منظمًا.

أن تفاعل المستخدمين مع هذا الخطاب يعكس تراجع الثقة بين المكونات الجهوية والعرقية.

أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت وسيطًا لإعادة بناء الهويات الممزقة في غياب المؤسسات الوطنية الجامعة.

 

 

 الإطار المفاهيمي

 

يشكّل تحديد المفاهيم الأساسية خطوة جوهرية لفهم ظاهرة الخطاب الانفصالي في السودان، خصوصًا في ظلّ الاستخدام الملتبس والمتعدد لمفاهيم مثل “تقرير المصير” و“الانفصال” و“الحرية السياسية”، وهي مفاهيم تُستعمل في الخطاب العام تارة بمعناها القانوني، وتارة كأداة للتحريض أو التعبئة الجهوية.

ويهدف هذا الإطار إلى توضيح الحدود الفاصلة بين الحق المشروع في تقرير المصير، وبين الخطاب الذي يوظّف هذا الحق لتبرير الكراهية والانقسام.

 

  1. مفهوم الحق في تقرير المصير

يُعدّ الحق في تقرير المصير من الحقوق الجماعية الأساسية التي نصّ عليها القانون الدولي، وهو مبدأ يُعطي الشعوب الحق في اختيار شكل نظامها السياسي والاجتماعي بحرية.

وقد أُقرّ هذا الحق في عدة مواثيق دولية، أبرزها:

المادة (1) من العهدين الدوليين لعام 1966 (الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، والتي تنصّ على أن «لكافة الشعوب الحق في تقرير مصيرها».

ميثاق الأمم المتحدة (المادة 55) الذي يربط بين تقرير المصير واحترام المساواة في الحقوق.

لكن هذا الحق لا يُمارس في فراغ، بل في إطار مبادئ وحدة الدول، وسيادة القانون، وعدم التمييز.

وفي السياق السوداني، يصبح من الضروري التمييز بين:

تقرير المصير بوصفه حقًّا سياسيًا مشروعًا، يُمارس عبر الوسائل السلمية والديمقراطية.

والانفصال التحريضي، الذي يستخدم لغة الإقصاء أو الكراهية لتبرير الانقسام على أساس عرقي أو جهوي.

 

 

  1. مفهوم خطاب الكراهية

خطاب الكراهية (Hate Speech) يُعرَّف في أدبيات القانون الدولي بأنه أي شكل من أشكال التعبير اللفظي أو الرمزي أو الرقمي الذي يحرض على التمييز أو العنف أو العداء ضد جماعة معينة استنادًا إلى هويتها العرقية أو الدينية أو الجهوية أو غيرها.

وقد نصّ العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (المادة 20/2) على وجوب حظر «أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكّل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف».

ويميز التقرير بين ثلاثة مستويات رئيسية لخطاب الكراهية:

  1. التحريض المباشر: دعوة صريحة إلى العنف أو الفصل أو الانتقام.
  2. التجريد الإنساني: وصف الآخر بأوصاف حيوانية أو شيطانية أو دونية.
  3. الشرعنة الرمزية: تبرير التمييز أو العزل على أساس تفوق جماعة على أخرى.

 

  1. التداخل بين تقرير المصير وخطاب الكراهية

تُظهر البيانات الميدانية للتحليل أن جزءًا كبيرًا من الخطاب الانفصالي في السودان يستعير مفردات الحقوق الدولية لتبرير مواقف تنطوي على تحقير أو تجريد جماعات أخرى.

فعبارات مثل “من حقنا نقرر مصيرنا بعيد عنهم” أو “ما دايرين نختلط بي ناس الشمال” تمزج بين المطالبة بالاستقلال السياسي والتحريض على العزل الاجتماعي، ما يجعل “تقرير المصير” هنا لغة للكراهية أكثر منه مطلبًا للحرية.

 

ويُعدّ هذا النمط أحد أخطر أشكال الخطاب، لأنه يُلبس الكراهية لباس العدالة، ويقدّم الانفصال كخلاصٍ أخلاقي، لا كمشروع سياسي.

من هنا، يمكن القول إن الخطاب الانفصالي في السياق السوداني يتغذّى على سرديات المظلومية الجماعية، لكنه في الوقت ذاته يعيد إنتاج المظلومية ذاتها ضد الآخر المختلف.

 

  1. حدود الحرية والخطاب المحظور

لا يعني حظر خطاب الكراهية تقييد حرية التعبير، بل تأطيرها أخلاقيًا وقانونيًا لضمان ألا تتحول إلى أداة للعنف الرمزي.

فحرية الرأي مكفولة بموجب المادة (19) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ولكنها تُقيَّد عندما تتعارض مع حقوق الآخرين في الكرامة والأمن.

وفي هذا الإطار، يشير التقرير إلى أن الحدّ الفاصل بين التعبير المشروع والخطاب الضار يتمثل في:

 

– نية المتحدث أو الكاتب (هل الهدف هو التعبير أم التحريض؟)

– السياق الذي يُنشر فيه الخطاب (هل هو سياق نقاش أم تعبئة؟)

– الأثر المتوقع (هل يقود إلى ضرر فعلي أو تمييز؟)

 

 

  1. الإطار المفاهيمي للبحث

اعتمد التقرير على بناء إطار تحليلي يقوم على ثلاث ثنائيات مفهومية رئيسية:

 

 

 

ويُستخدم هذا الإطار لاحقًا في تفسير النتائج النوعية والكمّية، باعتباره الأساس النظري الذي يربط بين اللغة، والهوية، والسياسة في الحالة السودانية.

 

 السياق العام وديناميات التفاعل بين خطاب الكراهية والانفصال

 

لا يمكن فهم تصاعد الخطاب الانفصالي في السودان دون ربطه بالسياق السياسي والاجتماعي الأوسع الذي أنتج الحرب وأعاد تشكيل المجال العام.

فمنذ انهيار العملية السياسية في عام 2023، يعيش السودان حالة تفكك مؤسسي شامل، ترافقت مع تفكك رمزي للهوية الوطنية، وانهيار الثقة بين المكونات الجهوية والعرقية.

في هذا المناخ الهش، تحولت اللغة إلى أداة للتمترس والنجاة، وصار الخطاب الرقمي مرآة لصراعات السلطة والانتماء، لا وسيلة للتواصل والتفاهم.

 

 

  1. السياق السياسي والاجتماعي للحرب

 

أدت الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع إلى تفكيك المجال الوطني إلى جزر من السيطرة العسكرية، وكل جزيرة لغتها وخطابها وسرديتها الخاصة.

ففي المناطق الغربية، أعيد بناء السردية حول المظلومية التاريخية والعدالة المفقودة.

وفي الشمال والشرق، تمحور الخطاب حول “النجاة من الفوضى” و“حماية الهوية النيلية”.

أما في الوسط، فقد ساد شعور بالخذلان والانسحاب الرمزي من فكرة الوطن.

 

لقد أوجد هذا الواقع بيئة خصبة لإعادة إنتاج خطاب الانقسام بوصفه ردًّا نفسيًا على غياب الدولة، وخطاب الكراهية بوصفه وسيلة للتعبير عن الألم الجمعي، لا عن الموقف السياسي فحسب.

 

  1. الإعلام الرقمي كفاعل سياسي جديد

 

أصبحت منصات التواصل الاجتماعي في السودان منذ 2023 البديل الفعلي للمنابر السياسية والإعلامية التقليدية.

فقد شكّلت فضاءً عامًا بلا ضوابط، يختلط فيه التعبير بالتحريض، والمظلومية بالتحريض المضاد.

وتحوّلت الصفحات المؤثرة والمجموعات المغلقة إلى مراكز إنتاج سرديات متنافسة، تتنازع على تعريف “من هو السوداني الحقيقي؟” و“من يستحق البقاء؟”.

تُظهر بيانات التقرير أن 83% من المشاركات الانفصالية و70% من منشورات الكراهية تُنتَج من حسابات مجهولة الهوية أو تستخدم رموزًا جهوية صريحة، مما يدل على تحول الفضاء الرقمي إلى مساحة للتعبئة غير المنظمة.

 

  1. ديناميات التفاعل بين الخطابين

 

أ. من الكراهية إلى الانفصال

في كثير من الحالات، يبدأ الخطاب بمستوى عاطفي من اللوم أو الغضب الجهوي، ثم يتطور تدريجيًا إلى دعوة صريحة للانفصال.

تعمل الكراهية هنا كـ آلية تحفيزية للانقسام، إذ تمنح الانفصال شرعية أخلاقية قائمة على الإقصاء (“نحن أفضل من أن نعيش معهم”).

 

ب. من الانفصال إلى الكراهية

في المقابل، يولّد الخطاب الانفصالي نفسه موجات مضادة من الكراهية من الطرف الآخر، مما يخلق دورة لغوية مغلقة من العداء المتبادل.

كل دعوة للانفصال تُنتج خطابًا معاكسًا يصف المنفصلين بـ “الخونة” أو “العبيد” أو “الانتهازيين”، مما يعيد إشعال العنف الرمزي ويعمّق الكسر في الوعي الجمعي.

 

ج. التفاعل المتبادل عبر المنصات

تُظهر التحليلات أن المنصات الرقمية تعمل كمسرح تبادلي، حيث يتغذى خطاب الكراهية والانفصال على بعضهما عبر آلية “التداول العاطفي”.

فكل منشور تحريضي في فيسبوك يقابله هجوم مضاد في إكس، بينما يتحول تيك توك إلى أداة لتمجيد الرموز الجهوية وبناء “أبطال لغويين” من صانعي المحتوى الانقسامي.

 

 

 

  1. العوامل المغذية للخطابين

 

  1. الفراغ السياسي والمؤسسي: غياب القيادة الوطنية الجامعة جعل الخطاب الانفصالي هو “المتكلم الوحيد” باسم المظلومية.
  2. الاستقطاب الإعلامي: تغذية خوارزميات المنصات للمحتوى الجدلي جعل الكراهية أكثر انتشارًا من الدعوات للوحدة.
  3. الصدمة الجماعية: التجارب المعيشية للحرب والنزوح أسهمت في تحويل الألم إلى لغة غضب وعداء.
  4. التاريخ غير المحسوم: غياب العدالة في جرائم الماضي (دارفور، النيل الأزرق، جبال النوبة) جعل الخطاب الانفصالي يبدو امتدادًا “طبيعيًا” للمظلومية التاريخية.

التعبئة الرمزية: استخدام رموز محلية (الخريطة المشطوبة، الألوان الجهوية، الأغاني التراثية) جعل الخطاب أكثر تأثيرًا وشرعية عاطفية.

 

 

 أثر الخطاب على الهوية الوطنية

 

تحوّل الخطاب الانفصالي من نقاش حول “الحدود السياسية” إلى نقاش حول “الهوية الأخلاقية”.

فلم يعد السؤال: من يحكم؟ بل من ينتمي؟

هذه النقلة الخطيرة جعلت الهوية السودانية تُعاد تعريفها سلبًا:

 

“من نحن؟ نحن من لسنا هم.”

إن التفاعل بين الكراهية والانفصال لا يُنتج واقعًا جغرافيًا جديدًا، بل واقعًا لغويًا مشظّى، تتفتت فيه الرموز الوطنية إلى شعارات جهوية، ويتحول السودان إلى خرائط لغوية متنازعة داخل الفضاء الرقمي.

 

يشكّل الخطاب الانفصالي أحد المخرجات اللغوية للحرب، لا مشروعًا سياسيًا منظمًا.

يتغذّى على التمييز العاطفي والرمزي أكثر من المصالح الموضوعية.

يعمل خطاب الكراهية والانفصال كـ دائرة مغلقة من التحفيز المتبادل، حيث يصبح كل طرف مبررًا لوجود الآخر.

يهدد استمرار هذه الدينامية بتحويل الكراهية إلى هوية وطنية بديلة، والانفصال إلى لغة يومية طبيعية في الوعي العام.

 

 

 السياق العام وديناميات التفاعل بين خطاب الكراهية والانفصال

 

لا يمكن فهم تصاعد الخطاب الانفصالي في السودان دون ربطه بالسياق السياسي والاجتماعي الأوسع الذي أنتج الحرب وأعاد تشكيل المجال العام.

فمنذ انهيار العملية السياسية في عام 2023، يعيش السودان حالة تفكك مؤسسي شامل، ترافقت مع تفكك رمزي للهوية الوطنية، وانهيار الثقة بين المكونات الجهوية والعرقية.

في هذا المناخ الهش، تحولت اللغة إلى أداة للتمترس والنجاة، وصار الخطاب الرقمي مرآة لصراعات السلطة والانتماء، لا وسيلة للتواصل والتفاهم.

 

  1. السياق السياسي والاجتماعي للحرب

 

أدت الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع إلى تفكيك المجال الوطني إلى جزر من السيطرة العسكرية، وكل جزيرة لغتها وخطابها وسرديتها الخاصة.

ففي المناطق الغربية، أعيد بناء السردية حول المظلومية التاريخية والعدالة المفقودة.

وفي الشمال والشرق، تمحور الخطاب حول “النجاة من الفوضى” و“حماية الهوية النيلية”.

أما في الوسط، فقد ساد شعور بالخذلان والانسحاب الرمزي من فكرة الوطن.

 

لقد أوجد هذا الواقع بيئة خصبة لإعادة إنتاج خطاب الانقسام بوصفه ردًّا نفسيًا على غياب الدولة، وخطاب الكراهية بوصفه وسيلة للتعبير عن الألم الجمعي، لا عن الموقف السياسي فحسب.

 

 

  1. الإعلام الرقمي كفاعل سياسي جديد

 

أصبحت منصات التواصل الاجتماعي في السودان منذ 2023 البديل الفعلي للمنابر السياسية والإعلامية التقليدية.

فقد شكّلت فضاءً عامًا بلا ضوابط، يختلط فيه التعبير بالتحريض، والمظلومية بالتحريض المضاد.

وتحوّلت الصفحات المؤثرة والمجموعات المغلقة إلى مراكز إنتاج سرديات متنافسة، تتنازع على تعريف “من هو السوداني الحقيقي؟” و“من يستحق البقاء؟”.

 

تُظهر بيانات التقرير أن 83% من المشاركات الانفصالية و70% من منشورات الكراهية تُنتَج من حسابات مجهولة الهوية أو تستخدم رموزًا جهوية صريحة، مما يدل على تحول الفضاء الرقمي إلى مساحة للتعبئة غير المنظمة.

 

  1. ديناميات التفاعل بين الخطابين

 

أ. من الكراهية إلى الانفصال

في كثير من الحالات، يبدأ الخطاب بمستوى عاطفي من اللوم أو الغضب الجهوي، ثم يتطور تدريجيًا إلى دعوة صريحة للانفصال.

تعمل الكراهية هنا كـ آلية تحفيزية للانقسام، إذ تمنح الانفصال شرعية أخلاقية قائمة على الإقصاء (“نحن أفضل من أن نعيش معهم”).

 

ب. من الانفصال إلى الكراهية

في المقابل، يولّد الخطاب الانفصالي نفسه موجات مضادة من الكراهية من الطرف الآخر، مما يخلق دورة لغوية مغلقة من العداء المتبادل.

كل دعوة للانفصال تُنتج خطابًا معاكسًا يصف المنفصلين بـ “الخونة” أو “العبيد” أو “الانتهازيين”، مما يعيد إشعال العنف الرمزي ويعمّق الكسر في الوعي الجمعي.

 

ج. التفاعل المتبادل عبر المنصات

تُظهر التحليلات أن المنصات الرقمية تعمل كمسرح تبادلي، حيث يتغذى خطاب الكراهية والانفصال على بعضهما عبر آلية “التداول العاطفي”.

فكل منشور تحريضي في فيسبوك يقابله هجوم مضاد في إكس، بينما يتحول تيك توك إلى أداة لتمجيد الرموز الجهوية وبناء “أبطال لغويين” من صانعي المحتوى الانقسامي.

 

  1. العوامل المغذية للخطابين

 

  1. الفراغ السياسي والمؤسسي: غياب القيادة الوطنية الجامعة جعل الخطاب الانفصالي هو “المتكلم الوحيد” باسم المظلومية.
  2. الاستقطاب الإعلامي: تغذية خوارزميات المنصات للمحتوى الجدلي جعل الكراهية أكثر انتشارًا من الدعوات للوحدة.
  3. الصدمة الجماعية: التجارب المعيشية للحرب والنزوح أسهمت في تحويل الألم إلى لغة غضب وعداء.
  4. التاريخ غير المحسوم: غياب العدالة في جرائم الماضي (دارفور، النيل الأزرق، جبال النوبة) جعل الخطاب الانفصالي يبدو امتدادًا “طبيعيًا” للمظلومية التاريخية.

التعبئة الرمزية: استخدام رموز محلية (الخريطة المشطوبة، الألوان الجهوية، الأغاني التراثية) جعل الخطاب أكثر تأثيرًا وشرعية عاطفية.

 

 

 أثر الخطاب على الهوية الوطنية

 

تحوّل الخطاب الانفصالي من نقاش حول “الحدود السياسية” إلى نقاش حول “الهوية الأخلاقية”.

فلم يعد السؤال: من يحكم؟ بل من ينتمي؟

هذه النقلة الخطيرة جعلت الهوية السودانية تُعاد تعريفها سلبًا:

“من نحن؟ نحن من لسنا هم.”

إن التفاعل بين الكراهية والانفصال لا يُنتج واقعًا جغرافيًا جديدًا، بل واقعًا لغويًا مشظّى، تتفتت فيه الرموز الوطنية إلى شعارات جهوية، ويتحول السودان إلى خرائط لغوية متنازعة داخل الفضاء الرقمي.

 

يشكّل الخطاب الانفصالي أحد المخرجات اللغوية للحرب، لا مشروعًا سياسيًا منظمًا.

يتغذّى على التمييز العاطفي والرمزي أكثر من المصالح الموضوعية.

يعمل خطاب الكراهية والانفصال كـ دائرة مغلقة من التحفيز المتبادل، حيث يصبح كل طرف مبررًا لوجود الآخر.

يهدد استمرار هذه الدينامية بتحويل الكراهية إلى هوية وطنية بديلة، والانفصال إلى لغة يومية طبيعية في الوعي العام.

 

 التيارات الانفصالية المعاصرة وأنماطها اللغوية

 

يكشف تحليل الخطاب الرقمي السوداني خلال فترة الحرب الممتدة (2023–2025) عن تشكّل ثلاثة تيارات انفصالية رئيسية، تختلف في منطلقاتها الأيديولوجية ومفرداتها الخطابية، لكنها تشترك في جوهر لغوي واحد يقوم على إعادة تعريف الهوية الوطنية من خلال نفي الآخر.

ولا تقتصر هذه التيارات على النخب السياسية أو العسكرية، بل تمتد إلى المجتمعات المحلية والصفحات الشعبية والمؤثرين الرقميين الذين يعيدون إنتاج هذه السرديات عبر مقاطع الفيديو والمنشورات اليومية.

 

 

 التيار الأول: “دارفور الكبرى” – الانفصال بوصفه خلاصًا من الظلم

 

ينشأ هذا التيار من رحم الحرب في دارفور وتاريخ طويل من التهميش والإفلات من العقاب.

ويطرح الخطاب الانفصالي فيه “دارفور الكبرى” ككيان سياسي مستقل، متخيل بوصفه مساحة “العدالة المفقودة” و“الكرامة المستعادة”

ويتضمن خطاب هذا التيار لغة المظلومية الجماعية تتكرر مفردات مثل “سُرقنا”، “انتهكوا أرضنا”، “ما عايزين نرجع ليهم” والرمزية الدينية والتاريخية توظيف مفاهيم مثل “أرض الشهداء”، “دار الثورة”، “الإرث الإفريقي” والتجريد الإنساني المعكوس تصوير سكان الشمال بوصفهم “غزاة” أو “غرباء” و الشرعنة السياسية باستخدام تعبيرات من قبيل “حقنا في تقرير مصيرنا”، “الانفصال عدالة لا كراهية” لتجميل الخطاب العدائي.

يظهر هذا التيار بقوة في فيسبوك وتيك توك، مع استخدام وسوم مثل

#دارفور_تقرر_مصيرها، #الانفصال_عدالة، #دارفور_مش_تابعة.

 

يُترجم هذا التيار التحرر من الظلم إلى انفصال لغوي، إذ يتحول خطاب العدالة إلى خطاب استبعاد.

ويعكس هذا الميل إلى الانفصال نزعة نفسية دفاعية أكثر من كونه مشروعًا سياسيًا مؤسسًا.

 

 التيار الثاني: “النهر والبحر” – الانفصال الوقائي والخطاب النيلي

 

يظهر هذا التيار من صفحات ومؤثرين ينتمون إلى المنطقة النيلية ، ويروّج لفكرة أن “الانفصال أفضل من الغرق في الفوضى”.

ينطلق من هاجس “التهديد الديمغرافي والثقافي” ويقدّم الانفصال كوسيلة لحماية “النقاء التاريخي والهوية الأصلية”

 

وينبني خطاب هذا علي لغة التخويف والتحذير “عايزين نحافظ على بلدنا قبل تضيع”، “الانفصال خلاصنا” وإعلاء رمزي للذات استخدام كلمات مثل “النقاء”، “الأصل”، “الهوية النيلية”.

و تجريد الآخر الإشارة إلى المجموعات الغربية بوصفها “غزاة” أو “مليشيات” و المفارقة الأخلاقية: الجمع بين الدعوة للسلام الداخلي ورفض الآخر المختلف.

 

ينتشر الخطاب في منصات إكس (تويتر) وفيسبوك عبر وسوم:

#النهر_والبحر، #انفصال_الكرامة، #نحمي_هويتنا.

 

يستخدم هذا التيار الانفصال كدرع رمزي، لا كخطة سياسية، ويعكس خوف الطبقات الوسطى الحضرية .

 

 

التيار الثالث: ” تيار الوسط “

 

في منطقة الوسط السوداني، وتحديدًا بعد انسحاب الجيش من ولايات الجزيرة ومحيطها، أخذ يتشكل خطاب انفصالي متنامٍ يعكس شعورًا عميقًا بالخذلان والانكشاف، أكثر مما يعكس طموحًا سياسيًا منظمًا.

 

فقد ولّد الفراغ الأمني والمؤسسي إحساسًا بأن الدولة التي طالما تمركزت في الشمال قد تخلّت عن الوسط وتركت أهله في مواجهة الفوضى دون حماية، الأمر الذي أطلق موجة من الأصوات المطالبة بالانفصال عن الشمال وتأسيس كيان مستقل باسم “الوسط”، يُنظر إليه بوصفه وسيلة للبقاء واستعادة السيطرة على المصير.

وتتكرر في هذا الخطاب عبارات مثل “ما دايرين نبقى تابعين لي ناس الشمال” و“خلونا في حالنا بعد ما سابونا”، وهي تعبيرات تكشف عن نزعة للانسحاب من الفوضى أكثر من الرغبة في المواجهة، وعن رغبة في الاحتماء قبل السعي إلى السلطة. كما يوظف هذا التيار رموزًا محلية مثل النيل، ومشروع الجزيرة، والزراعة، في بناء هوية جديدة للوسط تُقدَّم باعتبارها بديلاً واقعيًا لوطن ينهار. إنه خطاب يمكن وصفه بـ“الانفصال الوقائي”، حيث يأتي الانفصال هنا لا من موقع الكراهية أو التعالي، بل بوصفه استجابة لغريزة البقاء في ظل فقدان الدولة وانهيار الثقة في المركز.

وهكذا يتحول الوسط، الذي كان تاريخيًا رمز الاتزان الوطني وملتقى الشمال والجنوب، إلى مساحة تبحث عن خلاص ذاتي من وطن لم يعد قادرًا على حمايتها، في دلالة عميقة على أن الانقسام لم يعد ظاهرة هامشية تصدر من الأطراف، بل أصبح يمتد إلى قلب السودان ذاته، حيث يُعاد تعريف المركز بوصفه منطقة هشّة تحاول النجاة من الشمال بدلًا من أن تستوعبه.

 

مقارنة بين التيارات الثلات

 

 

 

 

 التحليل النوعي للبيانات :

 

تعكس النصوص الرقمية التي تم تحليلها بين يونيو وأغسطس 2025 حجم التحول في اللغة السياسية والاجتماعية في السودان.

فلم تعد المنصات الرقمية مجرد فضاءات للتعبير، بل أصبحت مسرحًا لتفكك الخطاب الوطني وصعود لغة الانقسام بوصفها أداة مقاومة نفسية واجتماعية.

ويكشف التحليل النوعي عن شبكة من المفردات والرموز التي تُعيد إنتاج الكراهية والانفصال عبر ثلاث آليات لغوية رئيسية:

الخلاص الجماعي، التجريد الإنساني، والشرعنة الرمزية.

 

 

الانفصال كخلاص جماعي

 

يتجلى الخطاب الانفصالي في عدد كبير من النصوص بوصفه حلمًا بالنجاة من الفوضى والحرب.

يتحدث المستخدمون عن الانفصال لا كخيار سياسي، بل كخلاص أخلاقي ووجودي.

في أحد النصوص يقول أحدهم:

“ما دايرين نرجع للسودان القديم، دارفور دولة عدالة، ما عبودية.”

وفي منشور آخر يرد:

“من حقنا نعيش بعيد عن ناس الشمال، ما دايرين نبقى جزء من فشلهم.”

 

تعكس هذه العبارات إحساسًا عميقًا بـ الخذلان الجماعي، وتحولًا لغويًا من التعبير عن المظلومية إلى تبني فكرة الانفصال كعلاج نفسي للصدمة.

فالكلمة هنا لا تدعو إلى بناء مشروع بديل، بل إلى الانسحاب من واقع مهزوم.

 

 

 

–  التجريد الإنساني كآلية لغوية للتمييز

 

في نصوص عديدة، يظهر التجريد الإنساني كخطوة تسبق الدعوة إلى الانفصال.

إذ يجري وصف المجموعات الأخرى بصفات تحطّ من كرامتها أو تخرجها من الإنسانية، كما في العبارات التالية:

 

“الناس ديل ما فيهم خير، ما عندهم دم ولا إنسانية، بلدنا بتنضف بعدهم.”

 

“ما بنبني بلد مع ناس ما بتشبهنا.

 

هذه اللغة تضع الآخر في موقع الدنس الأخلاقي، وتجعل الانفصال يبدو فعلًا تطهيريًا.

فالخطاب لا يطلب العدالة، بل ينفي الآخر أخلاقيًا ليبرّر إقصاءه سياسيًا.

ويتحول الانفصال إلى مشروع “نقاء” أكثر من كونه مشروع حكم.

 

 

التحريض والعنف الرمزي

 

برزت في النصوص التحليلية عبارات تحريضية تدعو إلى المواجهة أو “التطهير”، مع توظيف صور البطولة والانتصار الرمزي.

من أبرزها:

 

“الانفصال هو معركتنا الأخيرة ضد الغزاة.”

“ما في تعايش بعد اللي حصل، دارفور لازم تتحرر بالكامل.”

كل مرة نجرب الوحدة، بيقتلونا، خلاص الانفصال هو الحل.”

 

الخطاب هنا يلبس لباس المقاومة لكنه في الجوهر يشرعن العنف الرمزي.

إنه خطاب تعبوي يترجم الغضب إلى لغة بطولية، حيث يصبح الانفصال معركة أخلاقية مقدسة ضد عدو متخيل.

 

 

 

الشرعنة الرمزية والانفصال المقدس

 

تكررت في العديد من النصوص إشارات دينية وتاريخية تُستخدم لتقديس فكرة الانفصال.،

يقول أحدهم:

“الانفصال عدالة ربانية، واللي ضدنا ضد إرادة الله.”

ويضيف آخر:

“نحن الأصل، وهم تابعين، والرجوع للأصل فضيلة.”

 

هنا يتحول الخطاب الانفصالي إلى إيمان لغوي مغلق، حيث لا يُناقش كخيار سياسي، بل كحقيقة مطلقة لا يجوز معارضتها.

تُستخدم الرموز الدينية لإضفاء شرعية أخلاقية على فعل الانقسام، مما يضفي على الخطاب بعدًا تبشيريًا يتجاوز السياسة إلى المقدس الجمعي.

 

 

 

 

 

الرموز المساندة في الخطاب

 

تنتشر في النصوص رموز لغوية وبصرية تعزز الدلالة الانفصالية:

 

رمزية التطهير: كلمات مثل “نتنضف”، “نغسل”، “نطهّر بلدنا”.

 

رمزية الأرض: “أرضنا الطاهرة”، “دارنا ما بتقبل الغريب”.

 

رمزية النقاء: “نحافظ على دمنا”، “نرجع للأصل”.

 

هذه المفردات تعمل كأدوات لإنتاج هندسة أخلاقية للهوية، حيث يُقاس الانتماء بمعيار الطهارة والانغلاق، لا بالمواطنة أو المساواة.

 

خلاصة التحليل النوعي

 

  1. اللغة الانفصالية في الخطاب الرقمي السوداني هي لغة مشحونة بالعاطفة أكثر من المنطق.
  2. الانفصال يُقدَّم كحل نفسي لمظلومية تاريخية، لا كخطة سياسية.
  3. التجريد الإنساني يُستخدم لتبرير الانقسام تحت غطاء “العدالة” أو “النقاء”.
  4. الشرعنة الدينية والتاريخية تمنح الخطاب بعدًا تعبويًا يستدعي الانقسام بوصفه تكليفًا أخلاقيًا.
  5. أخطر ما في الظاهرة هو أن هذه اللغة تطبع الانقسام وتجعل الكراهية جزءًا من الهوية.

 

 

 

 التحليل الكمي للبيانات

 

يهدف هذا الجزء إلى قياس الكمّ والتواتر لخطاب الانفصال وخطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي في السودان خلال فترة الرصد.

تم تحليل البيانات الكمية المستخلصة من الجداول الشهرية، وشملت المؤشرات التالية:

– عدد المنشورات أو التعليقات ذات الطابع الانفصالي أو الكاره.

– نوع المنصة (فيسبوك، إكس، تيك توك).

– الموضوع أو التيار الجهوي المرتبط بالخطاب (دارفور، الشرق، الشمال، الوسط).

– درجة حدّة اللغة (من التعبير الناعم إلى التحريض المباشر).

 

 

يُظهر التحليل أن الخطابين يتحركان معًا تصاعديًا، بحيث يزداد خطاب الكراهية كلما ارتفعت وتيرة الخطاب الانفصالي، في علاقة طردية واضحة.

 

 

 

  1. الحجم العام للنشاط الخطابي

 

خلال فترة الرصد الكاملة (يونيو–أغسطس 2025)، تم تسجيل ما مجموعه 402 حالة موثقة من الخطابات الرقمية التي تتضمن مضامين انفصالية أو كراهية.

وقد توزعت كما يلي:

 

 

 

 

 

  1. التوزيع حسب المنصات

 

أظهرت البيانات تفاوتًا في تركّز الخطاب حسب المنصات، كما في الجدول التالي:

 

 

 

 

 

 

يتضح أن فيسبوك لا يزال المنصة المفضلة لبناء الخطاب الأيديولوجي حول الانفصال، بينما يشكّل تيك توك المنبر الأكثر تأثيرًا في نشر الرموز والصور التي تُمجّد الكراهية والانقسام.

 

 

  1. التوزيع الجغرافي والجهوي للخطاب

 

 

تُظهر هذه النتائج أن دارفور تمثّل المركز اللغوي الأساسي للانفصال، بينما يعمل خطاب “النهر والبحر” كـ انعكاس معاكس يعزز الكراهية الجهوية عبر مفردات النقاء والصفاء.

 

 

 

  1. مستويات حدّة الخطاب

 

اعتمد التحليل على تصنيف الخطاب إلى ثلاث درجات وفق حدّته اللغوية:

 

 

 

 

 

يتبيّن أن أكثر من 70% من الخطاب الانفصالي يُقدَّم في لغة تبدو سلمية، لكنها تحمل مضامين تمييزية ضمنية، مما يجعلها أكثر قابلية للانتشار والقبول.

 

 

 

  1. العلاقة بين الخطابين (الكراهية والانفصال)

 

من خلال تحليل الارتباط بين المتغيرين، تبين أن:

 

– في 74% من الحالات التي يظهر فيها خطاب كراهية، يتضمن النص أيضًا إشارة إلى الانفصال.

– بينما في 62% من الخطابات الانفصالية، تظهر عبارات تحقير أو تمييز ضد جماعة مقابلة.

 

 

هذا يعني أن الخطابين متشابكان إلى حد يصعب فصلهما لغويًا أو نفسيًا، وأن كل خطاب انفصالي في الواقع هو نسخة مموهة من خطاب كراهية.

 

 

 

 

  1. المؤشرات الزمنية والتحولات اللغوية

 

على المستوى الزمني، يمكن ملاحظة مسار التحول التالي:

 

 

 

تُظهر هذه الدورة أن الخطاب الانفصالي يمر بمراحل وجدانية متصاعدة: من الحزن، إلى الغضب، إلى الانسحاب النهائي.

 

  1. بلغ الخطاب الانفصالي والكراهية ذروته في يوليو بنسبة زيادة بلغت 29% عن يونيو.
  2. العلاقة بين الكراهية والانفصال علاقة سببية وتفاعلية؛ أحدهما يبرر وجود الآخر.
  3. المنصات الثلاث تتكامل في إنتاج الخطاب: فيسبوك للسرد، إكس للتحريض، تيك توك للتمجيد الرمزي.
  4. الاتجاه العام يشير إلى أن الخطاب الانفصالي في السودان يتحول من موقف سياسي إلى بنية لغوية مستقرة داخل المخيال العام.

 

 

 الاستنتاجات والتوصيات

 

بين اللغة والسياسة نحو مقاربة حقوقية لفهم خطاب الانفصال والكراهية في السودان

 

يُظهر تحليل الخطاب الرقمي السوداني خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس 2025 أن اللغة لم تعد مجرد أداة للتعبير السياسي، بل أصبحت ساحة معركة رمزية تعكس الانقسام الوطني بأبعاده الاجتماعية والنفسية.

فخطاب الانفصال لا يُعبّر فقط عن طموح جغرافي، بل عن حالة وجدانية جماعية تبحث عن هوية بديلة بعد انهيار النظام السياسي والاجتماعي.

وفي المقابل، يتحول خطاب الكراهية إلى آلية دفاع لغوية تُعيد إنتاج المظلومية والتمييز تحت غطاء العدالة والانتماء.

 

  1. الاستنتاجات العامة

أ. الخطاب الانفصالي ظاهرة لغوية قبل أن يكون سياسية

تحليل المفردات والنصوص يُظهر أن الانفصال يُقدَّم في أغلب الأحيان كـ إحساس بالخلاص والنقاء، لا كمشروع مؤسسي أو رؤية حكم.

فاللغة تنزع نحو التطهير والانسحاب أكثر من سعيها إلى التنظيم أو التفاوض.

هذا يعني أن التيارات الانفصالية الراهنة تتغذى على العاطفة الجمعية أكثر من الوعي السياسي.

 

ب. خطاب الكراهية هو الوقود اللغوي للانفصال

أثبتت البيانات أن أكثر من ثلثي النصوص الانفصالية تتضمن عبارات تحقير أو ازدراء لجماعات أخرى.

فكل دعوة للانفصال ترتكز ضمنيًا على نفي الآخر وتجريده من الإنسانية، مما يجعل الكراهية اللغة المشتركة بين جميع التيارات، حتى حين تختلف جغرافيًا أو سياسيًا.

 

ج. الحرب والانهيار المؤسسي أعادا تشكيل اللغة العامة

تولّد عن غياب الدولة والسلطة المركزية فراغ رمزي، ملأته اللغة الانفصالية بشعارات الهوية الجهوية والبطولة الأخلاقية.

وبذلك تحوّلت المنصات الرقمية إلى ساحات تعبير بديلة عن المؤسسات الوطنية، تُعيد تعريف الانتماء وفق الانفعالات اللحظية لا وفق القيم المدنية.

 

د. الخطاب الرقمي يعمل كمنظومة تغذية عكسية

كل منشور انفصالي يثير ردودًا من الكراهية المضادة، مما يُنتج دائرة لغوية مغلقة.

يتغذى كل طرف على الآخر، وتتحول اللغة نفسها إلى مسرح دائم للصراع يعيد إنتاج ذاته بلا نهاية.

 

هـ. التحول من خطاب المظلومية إلى خطاب التبرير

بدأت الخطابات الأولى بروح المظلومية والعدالة، لكنها انتهت إلى تبرير الانقسام والعنف الرمزي بوصفهما شكلًا من أشكال العدالة الإلهية أو التاريخية.

وهذا ما يُظهر خطر التحول اللغوي من الألم إلى التبرير.

 

 

  1. النتائج الخاصة

 

  1. دارفور الكبرى تمثل المركز التعبيري الأكثر نشاطًا في الخطاب الانفصالي، باستخدام لغة “التحرير والعدالة”.
  2. النهر والبحر تبنّى خطاب “النقاء والتميز الثقافي”، كردّ لغوي على الخطاب الغربي.
  3. الشرق قدّم خطابًا مترددًا بين الحرمان الاقتصادي والانجذاب لعدوى الانفصال.
  4. كل التيارات تشترك في التحقير الضمني للآخر، رغم اختلاف المسوّغات الظاهرة.

 

 

 

  1. الاستنتاج اللغوي والنفسي

 

يمكن اختزال الدينامية العامة في المعادلة التالية:

–  الانفصال = الكراهية + الخلاص الرمزي + غياب العدالة.

فاللغة هنا تُستخدم كآلية للعلاج النفسي، لكنها في الوقت نفسه تُعمّق الجرح الجماعي.

يتحدث الناس عن الانفصال كأنهم ينتقمون بالكلمات من واقع العنف، لا كأنهم يصوغون بديلًا وطنيًا.

ومن ثم، فإن معالجة الظاهرة تتطلب تفكيك بنيتها اللغوية قبل مواجهتها سياسياً.

 

 

 

  1. التوصيات

 

أ. على المستوى الحقوقي

  1. ضرورة تبنّي تعريف وطني لخطاب الكراهية يستند إلى المعايير الدولية ويأخذ خصوصية السودان الثقافية في الاعتبار.
  2. إدماج رصد الخطاب الرقمي ضمن آليات حماية حقوق الإنسان، بوصفه مؤشرًا مبكرًا على النزاعات الجهوية.
  3. إنشاء مرصد وطني للكراهية والانقسام اللغوي، بالتعاون بين منظمات المجتمع المدني ومراكز البحث.
  4. الضغط لإدخال مفهوم المساءلة اللغوية في التشريعات، بحيث يُجرَّم التحريض العرقي أو الدعوة للانفصال عبر الوسائط الإعلامية.

 

ب. على المستوى الإعلامي والمجتمعي

  1. بناء حملات مضادة للخطاب الانفصالي تعتمد على سرديات الوحدة والعدالة لا الشعارات السياسية الجافة.
  2. تدريب الصحفيين وصناع المحتوى على التمييز بين التعبير المشروع وخطاب التحريض.
  3. تشجيع المنصات الرقمية المحلية على تفعيل سياسات الإبلاغ والحظر للمحتوى المحرّض.
  4. دعم المبادرات الشبابية التي تُعيد صياغة مفهوم “السودان الواحد” من داخل التنوع، لا ضده.

 

ج. على المستوى النفسي والثقافي

  1. تطوير برامج إعلام علاجي توظّف اللغة بوصفها وسيلة للتعافي لا للتحريض.
  2. إطلاق حوارات مجتمعية مصالِحة تُعيد الاعتبار للكرامة دون اللجوء إلى الانفصال الرمزي.
  3. الاستثمار في الذاكرة المشتركة من خلال الفنون والقصص التي تُبرز الروابط بين المكونات السودانية.

 

إن خطاب الكراهية والانفصال في السودان ليس ظاهرة طارئة، بل هو نتاج تراكم تاريخي من الإقصاء والخذلان السياسي.

لكن ما يميّز المرحلة الحالية هو أن اللغة نفسها أصبحت ساحة الصراع — الكلمات لم تعد تصف الواقع، بل تصنعه.

وإذا لم يُعالج هذا الانقسام اللغوي اليوم، فسيصبح غدًا انقسامًا جغرافيًا فعليًا.

ومن هنا، فإن مواجهة خطاب الكراهية والانفصال ليست مسؤولية أمنية أو قانونية فحسب، بل مسؤولية لغوية وأخلاقية جماعية ، تبدأ من الكلمة وتنتهي إليها.

Share the Post:

التقارير المتعلقة