من المسؤول عن معاناة المدنيين في بابنوسة؟

EN: https://kedencentre.org/2025/12/22/who-is-responsible-for-civilians-suffering-babanusa-en/

مقدمة

يعالج هذا التقرير الوقائع الإنسانية والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون في محلية بابنوسة بولاية غرب كردفان منذ بداية النزاع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. ويسعى التقرير إلى توثيق ما جرى وربط هذه الوقائع بالقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، كما يعتمد التقرير على شهادات مباشرة من النازحين، ومتابعة الأحداث من غرف الطوارئ المحلية، ومعلومات من مصادر إعلامية موثوقة وتقارير دولية.

منهجية التقرير

يعتمد التقرير على جمع إفادات من شهود عيان من سكان بابنوسة نزحوا خلال النزاع، وتم تحليل هذه الإفادات بناء على مقارنة الشهادات المتعددة لضمان الدقة والموثوقية، إضافة إلى تقارير إعلامية مستقلة عن تطورات القتال والتحولات الميدانية في المنطقة. وقد تمت مراعاة التحقق من الوقائع وتثبيت التواريخ والأحداث من مصادر متعددة لتقديم صورة شاملة عن الانتهاكات التي راح ضحيتها المدنيون.

خلفية النزاع في بابنوسة

قبل اندلاع الحرب في محلية بابنوسة، بذلت الإدارات الأهلية جهودًا لمنع تحول المدينة إلى ساحة صراع. وقد تقدمت هذه الإدارات بمبادرات سلمية للتفاوض مع القوات المسلحة من أجل تسليم الفرقة 22 الموجودة في المدينة وخروجها بأمان لتفادي القتال داخل الأحياء السكنية، لكن هذه المبادرات قوبلت بالرفض، ما دفع تلك الإدارات إلى مخاطبة قوات الدعم السريع من أجل منحه مهلة ثلاثة أيام حتى يتمكن المدنيون من مغادرة المدينة بأمان قبل اندلاع أي اشتباكات عسكرية. وفي اجتماع عام لسكان المدينة تم إبلاغ الحاضرين بمضمون هذه الحوارات وبمنح تلك المهلة، والأهمية التي تمثّلها في حماية المدنيين.

ويشهد المواطن إ.س. قائلاً “قبل دخول طرفي النزاع في اشتباكات وقبل اندلاع الحرب في المنطقة كانت هناك مبادرات قامت بها الإدارات الأهلية وحاولت جاهدة أن تجنب البلد ويلات الحروب لكن المبادرات باءت بالفشل، حيث قامت الإدارات الأهلية بطرح مقترح للجيش بأن يقوم بتسليم الفرقة 22 بابنوسة ويخرج خروج آمن لكي يجنب البلد ويلات الحرب ولكن الجيش رفض تسليم الفرقة، فقامت الإدارات الأهلية بالجلوس مع قوات الدعم السريع وطلبت منهم مهلة ثلاثة أيام لخروج المواطنين من المدينة خروجا آمنا ومن بعد ذلك إذا كانت هناك أي عمليات عسكرية يكون المواطن بعيدا منها. من بعد ذلك كان هناك اجتماع لكل المدينة في مركز الشباب تم فيه تنوير المواطنين بالحوار الذي حدث بين الإدارات الأهلية والجيش والحوار بين الإدارات الأهلية والدعم السريع، وان الدعم السريع تم منحهم ثلاثة أيام لخروج المواطنين من المدينة خروجا آمنا وسوف يكون هناك صراع عسكري بين الطرفين من بعد المهلة المحددة”.

ويتابع إ.س. عن النزوح قائلاً “أنا من ضمن الأشخاص خرجت في الفترة المحددة، وفي فترة الثلاثة أيام شهدت المدينة موجات نزوح كثيرة، الأغلبية خرجوا في تلك الفترة. بعد خروجنا أصبحنا نتابع الأحداث عن بعد حيث أن هناك مجموعة من الأسر لم تغادر بابنوسة حتى تاريخ 2024/1/22 حيث كانت أول العمليات العسكرية في بابنوسة، في ذلك اليوم خرجت معظم الأسر التي لم تخرج في مهلة الثلاثة أيام، وبعض الأشخاص لم يستطيعوا الخروج، وماتت مجموعة من المدنيين في ذلك اليوم، لم يتبق في المدينة إلا القليل من الأسر مقارنة بمجموعة الأسر التي خرجت، أما الأسر المتبقية في نفسها لم تكن قليلة. خرج المواطنون في الاتجاهات المختلفة، هنالك مجموعة خرجت في الاتجاه الجنوبي اتجاه المجلد، ومجموعة خرجت في الاتجاه الغربي من المدينة اتجاه القرى القنطور والخويرات، ومجموعة خرجت شمال المدينة قرى الكلاعيت والجاك. نحن كنا في إحدى القرى القريبة من بابنوسة”.

التطورات العسكرية والانتهاكات المصاحبة

تصاعدت العمليات العسكرية في محلية بابنوسة مع محاولات قوات الدعم السريع السيطرة على الفرقة 22 مشاة، وقد أعلنت هذه القوات في الأول من ديسمبر 2025 سيطرتها على المدينة ومقر الفرقة بعد معارك عنيفة مع الجيش السوداني، بينما أكدت القوات المسلحة على رفضها لذلك، غير أن السيطرة كانت محل متابعة إعلامية متعددة. ويعد هذا التاريخ نقطة تحول مهمة في النزاع في غرب كردفان، إذ يمثل سقوط المدينة نهاية حصار طويل دام نحو عامين منذ يناير 2024، وما تبع ذلك من تصعيد واسع في الهجمات على المدنيين والممتلكات المدنية.

شهدت المدينة هجمات بطائرات بدون طيار أسفرت عن مقتل أكثر من 104 مدنيين بينهم 43 طفلاً، واستهدفت هذه الهجمات منشآت مدنية مثل المستشفيات ورياض الأطفال، وهو ما يشير إلى خرق صارخ لمبدأ التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية. كما أفادت تقارير بأن قوات الدعم السريع شنت هجمات انتقامية في قرى شمال النهود، حيث قُتل عشرات المدنيين من النساء والأطفال والمسنين داخل منازلهم، ما يوضح أن الانتهاكات كانت ممنهجة.

كما أفاد متطوعون أن سبع أسر احتجزت بالقرب من المدينة بزعم ارتباط أقاربهم بالخدمة في الجيش، وهو ما يمثل خرقًا واضحًا لحماية المدنيين ويدخل ضمن الانتهاكات التي تصنف كاعتقالات تعسفية. وقد تم الإبلاغ عن تحويل مستشفى رئيسي في المدينة إلى قاعدة عسكرية، مما أدى إلى حرمان المدنيين من الرعاية الصحية الأساسية. وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان استخدام العنف الجنسي، التجنيد القسري للأطفال، نهب الممتلكات، والهجمات العشوائية على الأسواق والمنازل، وهو ما يعكس نمطاً مستمراً من الانتهاكات الواسعة ضد المدنيين.

كما أدت المعارك الطويلة قبل سقوط المدينة إلى توقف الزراعة في المناطق المحيطة، وحرمان السكان من موسم الحصاد، وتفاقم أزمة الغذاء والفقر، وتهجير آلاف المدنيين إلى مناطق آمنة في شمال المدينة وفي القرى المحيطة مثل أب جاك والمجلد والقنطور والخويرات. واستمرت الهجمات بالطائرات بدون طيار والقصف المدفعي حتى نهاية نوفمبر 2025، مما زاد من معاناة السكان المدنيين.

الجهود الإنسانية والمجتمعية

مع تفاقم الأزمة الإنسانية بدأت مبادرات مجتمعية من أبناء بابنوسة في الداخل والخارج بالتنسيق مع غرف الطوارئ المحلية لجمع التبرعات وتحريك القوافل لنقل النازحين إلى مناطق آمنة. وقد استقبلت منطقة أب جاك شمال المدينة نسبة كبيرة من النازحين، وتضم مراكز إيواء تشمل مدارس تحولت إلى مساكن للآلاف، كما يقدم مطبخ تابع لغرفة الطوارئ الطعام والمساعدات الغذائية للنازحين.

الأثر الإنساني

انعكس النزاع على كافة جوانب الحياة اليومية، حيث اضطر عشرات الآلاف إلى النزوح، واشتدت معاناتهم بسبب انقطاع الخدمات الصحية والتعليمية ونقص الغذاء والمياه النظيفة، وتعرض النساء والأطفال لمخاطر إضافية تتعلق بالأمن والصحة، وهو ما يعكس تفاقم الأوضاع الإنسانية في ظل استمرار النزاع وتصاعد الهجمات.

الإطار القانوني

ترتبط الوقائع الموثقة بالقانون الدولي الإنساني الذي يحظر الهجمات على المدنيين والممتلكات المدنية، ويضمن حماية المنشآت الطبية والمنشآت التعليمية، كما تتوافق مع حقوق الإنسان الأساسية في الحق في الحياة والسلامة الجسدية، وحرمة المكان الآمن وعدم التعرض للتهجير القسري. وتشير الوقائع إلى احتمال ارتكاب جرائم حرب نتيجة القتل خارج نطاق القانون والاعتقالات التعسفية والهجمات على المدنيين.

المسؤولية

تتحمل قوات الدعم السريع والقوات المسلحة مسؤولية مباشرة عن الانتهاكات التي وقعت، بما في ذلك الهجمات على المدنيين، التهجير القسري، الاعتقالات التعسفية، حرمان السكان من الخدمات الأساسية، وتحويل المنشآت المدنية إلى قواعد عسكرية، وهو ما يشكل إخلالًا صارخًا بالتزامات القانون الدولي الإنساني.

التوصيات

يطالب التقرير بوقف فوري لجميع الانتهاكات، وضمان حماية المدنيين والأعيان المدنية، وإتاحة وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن، وفتح تحقيقات مستقلة لتحديد المسؤوليات القانونية ومساءلة المتورطين، وتقديم الدعم الشامل للنازحين بما يشمل الغذاء، المأوى، الرعاية الصحية، والتعليم، ومواصلة توثيق الانتهاكات لتعزيز المساءلة وفق المعايير الدولية، مع دعم المبادرات المجتمعية المحلية لضمان الاستجابة الإنسانية الفعالة وحماية المدنيين

Share the Post:

التقارير المتعلقة