بارا المنكوبة – شهادات من قلب الانتهاكات خلال الفترة مايو–أكتوبر 2025

بارا المنكوبة

شهادات من قلب الانتهاكات خلال الفترة مايو–أكتوبر 2025

 

المقدمة:

يستعرض هذا التقرير جملة من الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها محلية بارا بولاية شمال كردفان خلال فترة التغيرات العسكرية المتعاقبة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، وهي الفترة الممتدة من مايو 2025 وحتى نهاية أكتوبر 2025. وقد شهدت المنطقة خلال هذه الأشهر تدهورًا حادًا في الأوضاع الأمنية والإنسانية، نتيجة لعمليات السيطرة المتكررة وما صاحبها من أنماط واسعة من العنف ضد المدنيين، شملت القتل خارج نطاق القضاء، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والنهب، والتهديد، وانتهاك حرمة المنازل، إضافة إلى موجات نزوح جماعي أجبرت السكان على الفرار بحثًا عن الأمان.

يستند التقرير إلى شهادات مباشرة أدلى بها ضحايا وشهود عيان وثّقوا ما تعرضوا له من اعتداءات وانتهاكات تمسّ حقوقهم الأساسية وكرامتهم الإنسانية، وتكشف عن ممارسات تتعارض بوضوح مع قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على حجم الانتهاكات التي ارتُكبت في بارا خلال الفترة المذكورة، وتقديم صورة دقيقة ومعمقة لما واجهه المدنيون على الأرض، بما يسهم في جهود التوثيق والمساءلة ومناصرة حقوق الضحايا

 

شهدت محلية بارا بولاية شمال كردفان واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخها الحديث، حيث تعاقبت عليها سلطات عسكرية متنازعة خلّفت وراءها واقعًا إنسانيًا بالغ القسوة ومعاناة ممتدة عاشها المدنيون دون حماية تُذكر. فمنذ اللحظة التي بسطت فيها قوات الدعم السريع سيطرتها على المنطقة دخلت بارا في حلقة متواصلة من الانتهاكات العنيفة التي اتخذت أشكالًا متعددة، بدءًا من القتل خارج نطاق القانون والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، وصولًا إلى النهب المنهجي، وترويع العائلات، واقتحام المنازل، وحرمان السكان من الشعور بالأمان في أبسط صوره. ورغم أن القوات المسلحة استردت السيطرة على بارا في الحادي عشر من سبتمبر 2025، فإن ذلك لم يشكل تغييرًا حقيقيًا في واقع السكان، إذ لم يمضِ وقت طويل حتى عادت قوات الدعم السريع في الخامس والعشرين من أكتوبر من العام نفسه، لتفرض قبضتها مجددًا وتعيد إنتاج ذات الأنماط من العنف، بل وبصورة أكثر حدة وانتشارًا، ما دفع أعدادًا كبيرة من السكان إلى النزوح القسري نحو مدينة الأبيض أو إلى قرى أخرى بحثًا عن ملاذ مؤقت.

وقد كشفت إفادات ضحايا وشهود عيان عن حجم الانتهاكات التي مورست خلال فترات السيطرة المتعاقبة، وشكلت شهاداتهم قاعدة أساسية لفهم طبيعة السلوك الممنهج الذي اتبعته قوات الدعم السريع في تعاملها مع المدنيين. تروي هذه الشهادات ممارسات تتجاوز الطابع الفردي إلى نمط ممنهج من العنف، يتكرر في مواقع متعددة وبأساليب متشابهة، مما يعزز فرضية أن هذه الانتهاكات لم تكن أفعالًا معزولة بل كانت جزءًا من سلوك عام هدفه إخضاع السكان وإحكام السيطرة على المنطقة عبر بث الرعب وفرض الامتثال القسري.

وفي هذا السياق جاءت شهادة المواطن ح.إ، التي تقدم نافذة واضحة على حجم التفلت الأمني والانتهاكات الواسعة التي شهدتها بارا خلال شهري مايو ويونيو. فقد وصف الشاهد تلك الفترة باعتبارها مرحلة ازدهرت فيها عمليات اقتحام المنازل بصورة يومية بحثًا عن الذهب والمقتنيات الثمينة، حيث كان أفراد الدعم السريع يدخلون البيوت ويفتشونها بعنف، وتنتهي بعض تلك الاقتحامات بالقتل دون أي مبرر. كما روى تفاصيل اعتراض المواطنين في الطرقات ونهب ممتلكاتهم تحت تهديد السلاح واتهامهم بالموالاة للقوات المسلحة، وهو اتهام كان يُستخدم لتبرير الإيذاء البدني أو الجلد أو حتى القتل المباشر. وأشار الشاهد إلى حادثة مقتل اثنين من سكان الحي الشرقي أثناء عودتهما من المسجد، وهي إحدى الحوادث الكثيرة التي تثبت أن العنف لم يكن رد فعل، بل كان ممارسة راسخة ومتكررة.

أما داخل السجون التي كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، فقد وثّق الشاهد ظروفًا قاسية عاشها المحتجزون، بدءًا من الاحتجاز دون تهمة أو إجراءات قانونية، وصولًا إلى الاختفاء القسري لأشخاص جرى اعتقالهم بوضوح أمام الناس، ثم اختفوا دون أثر. ومن بين هذه الحالات حالة المواطن إسماعيل عثمان حولي الذي اقتيد رهينة ولا يزال مصيره مجهولًا حتى لحظة كتابة هذا التقرير. ومع تزايد الانتهاكات وغياب أي شكل من أشكال الحماية، أصبح النزوح الخيار الوحيد أمام معظم سكان بارا الذين توجهوا إلى الأبيض أو إلى قرى أكثر أمانًا.

ويروي الشاهد تفاصيل نزوحه إلى قرية الكلاسة شمال بارا، وهي قرية ظلت ملاذًا مؤقتًا لسكان عدة مناطق قبل أن تصل إليها آثار التوتر العسكري. ومع دخول القوات المسلحة إلى بارا حاول بعض السكان العودة، غير أن الجيش أغلق الطرق المؤدية إليها، بينما احتفظت قوات الدعم السريع بوجودها وعرباتها في مناطق مثل أم جريجخ وأم دايوقة والحديد، الأمر الذي أدى إلى نزوح جماعي جديد من تلك المناطق toward مناطق أخرى.

وتفاقمت الانتهاكات بصورة أكبر عقب دخول قوات الدعم السريع بارا مرة أخرى في الخامس والعشرين من أكتوبر 2025، حيث بدأت قواتها تتحرك بشكل متدرج داخل القرى، فارضة على السكان تسليم ما يملكون من بهائم تحت مسمى “الكرامة”، وهو مفهوم قسري لا يخفي طبيعته الابتزازية. وفي اليومين التاليين توسعت عمليات الاقتحام والنهب، وازدادت أعداد العربات التي تجوب الشوارع والمزارع، وتواصلت المطاردات وعمليات استهداف السكان بشكل مباشر. ويصف الشاهد حادثة اقتحام منزله في اليوم السابع والعشرين من أكتوبر، حين أتى فرد من الدعم السريع وطلب “التأكد من الهوية”، ثم هددهم بعد تفتيشهم دون العثور على شيء، وأجبرهم تحت السلاح على إحضار سيارة معطلة تعود لأسرتهم، قبل أن يستعين بمسلحين آخرين لسحب السيارة ونهبها بالكامل. وبعد ذلك تعرض الشاهد لتهديد آخر من أحد المسلحين الذي حمل سكينًا وصرّح بوضوح بنيته “الاعتداء” بقوله “ماشي أشرب من دم أخوك”.

وتتكرر في الشهادة تفاصيل تشير إلى نمط واضح من النهب الممنهج الذي لم يقتصر على الممتلكات الصغيرة، بل شمل بهائم السكان وسياراتهم وحتى ثياب النساء التي استخدمت لربط السيارات المعطلة. كما تعرض كبار السن للتهديد بالسلاح لإجبارهم على تسليم هواتفهم وذهبهم، واقتحمت منازل النساء وتم تهديدهن بشكل مباشر دون مراعاة لأي حرمة اجتماعية أو أخلاقية. وقد أجبر السكان على رفع تسعة وستين رأسًا من الضأن على سيارات المسلحين دون أي اعتبار لممتلكاتهم أو لقيمة ما يُصادر منهم. وهُدد أحد كبار السن بالقتل حين وُضعت السكين على عنقه، فيما تعرضت مجموعات من النساء والأطفال للترهيب والاعتداء اللفظي والنهب الكامل لممتلكاتهم.

وتكشف الشهادة عن استخدام العنف وسيلة لفرض السيطرة وتجريد السكان من أي قدرة على المقاومة، إذ صودرت سيارات، وحُفرت المنازل بحثًا عن الذهب، وامتدت عمليات النهب والإهانة لتشمل كل ما تقع عليه أعين المسلحين. ومع تصاعد التهديدات اضطر السكان إلى النزوح في رحلة قاسية امتدت أربعة أيام، افتقرت لأبسط مقومات الحياة من طعام أو ماء، ولم يكن لهم من خيار إلا الهروب تاركين خلفهم بيوتهم وأرضهم، بينما بقي آخرون في مصير مجهول.

ووصلت لاحقًا أنباء عن مقتل مواطن من الكلاسة وإصابة اثنين آخرين في أم كرانك على يد قوات الدعم السريع، إضافة إلى مقتل المواطن علي هلال أثناء عمله في نقل الركاب في طريقه إلى الأبيض، وهي حوادث تعكس استمرار استهداف المدنيين حتى خارج نطاق مناطق النزاع المباشر.

وفي ذروة موجة الانتهاكات الأخيرة المصاحبة لدخول الدعم السريع إلى بارا في الخامس والعشرين من أكتوبر 2024، رُصدت حالات تصفية مباشرة لأشخاص تمت ملاحقتهم بالاسم داخل منازلهم، في نهج يوحي بوجود قوائم استهداف مسبقة. بعض الضحايا قتلوا أمام أسرهم، وآخرون جرى اقتيادهم وتصفيتهم بصورة متعمدة. وقد قدم الشاهد أحمد محمد أحمد حاج الشيخ رواية مفصلة في بث مباشر على صفحة “نبأ السودان”، تحدث فيها عن اشتباك استمر ساعات بين الجيش والدعم السريع قبل أن تقتحم الأخيرة منزلهم، وتأمر العائلة بالخروج، ثم تقوم بإعدام اثنين من أفراد الأسرة بعد إجبارهما على الوقوف وإطلاق النار عليهما. كما روى تفاصيل نهب شامل لممتلكاتهم وتهديدهم بالسلاح والسكين، إضافة إلى تعرضه للضرب المبرح بعصيّ وسياط حتى سقط أرضًا، فقط لأن المسلحين كانوا يعتقدون أنه يخفي المال أو يحاول إخفاء هويته. وقد أخبرهم الشاهد بأن شقيقه مريض ويعاني من مشاكل في القلب، لكن ذلك لم يردعهم عن مواصلة تهديده وإهانته ومنعه حتى من ذكر اسم الله، في تعبير واضح عن انتهاك عميق للكرامة الإنسانية.

وانتهت هذه الوقائع بنزوح الشاهد ومن تبقى من أسرته إلى قرية أم سريحة ومنها إلى الأبيض في رحلة متعبة استمرت ثلاثة أيام لم يجدوا فيها طعامًا، فيما ظل الخوف يرافقهم حتى آخر لحظة. وهكذا تحولت بارا خلال أشهر قليلة إلى منطقة طاردة لسكانها، بعدما أصبحت ساحة مفتوحة للعنف المنهجي والنهب والقمع وانعدام أي شكل من أشكال الحماية أو المساءلة، ليبقى المدنيون الضحية الكبرى في ظل غياب الدولة وسيادة منطق القوة وقانون السلاح

 

Share the Post:

التقارير المتعلقة