الكنابي في مرمي الكراهية – رصد وتحليل خطاب الكراهية الموجه ضد مجتمعات الكنابي

EN: https://kedencentre.org/2025/12/21/kanabi-in-the-crosshairs-of-hate-en/ 

الملخص التنفيذي

 

أعدّ هذا التقرير مركز كادن للعدالة وحقوق الإنسان في إطار برنامج صوت أمن، استنادًا إلى تحليل نوعي وكمّي لخطاب الكراهية الموجّه ضد مجتمعات الكنابي في ولاية الجزيرة، خلال شهري يونيو ويوليو 2025، باستخدام برنامجي SPSS وNVivo 14.

يهدف التقرير إلى فهم أنماط الخطاب العدائي، علاقته بالانتهاكات الميدانية، ودوره في التحريض على العنف والتمييز، مع تقديم توصيات عملية للحد من هذه الظاهرة.

 

 الخلفية :

 

نشأت مجتمعات الكنابي في مشروع الجزيرة منذ بدايات القرن العشرين كمستوطنات للعمال الزراعيين القادمين من دارفور وكردفان وغرب أفريقيا، وتحوّلت بمرور الزمن إلى تجمعات سكنية كبيرة.

لكنّ سكان الكنابي ظلّوا يواجهون تمييزًا اجتماعيًا وتهميشًا هيكليًا من بعض سكان الولاية الأصليين.

ومع تصاعد النزاع المسلح في السودان، وتبدّل السيطرة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، تحوّل هذا التمييز إلى خطاب كراهية ممنهج يربط الكنابي بالعدو العسكري والسياسي، ويبرر العنف ضدهم.

 

 التحليل الكمي :

أظهر التحليل الإحصائي أن الخطاب العدائي ضد الكنابي شهد انتشارًا واسعًا عبر المنصات الرقمية، خصوصًا فيسبوك وإكس (تويتر)، خلال فترة الرصد:

إجمالي المشاهدات: قرابة 14 ألف مشاهدة.

التفاعلات: 822 تفاعلًا.

المشاركات: 118 مشاركة.

71% من الخطاب كان ذا طابع عرقي، و29% خطابًا تحريضيًا خطيرًا.

الخطاب الأكثر عنفًا حقق أعلى معدلات تفاعل ومشاركة، مما يؤكد أن المنصات الرقمية أصبحت بيئة خصبة لتضخيم الكراهية وتحويلها إلى سردية اجتماعية مقبولة.

 

 التحليل النوعي :

 

حلّل التقرير النصوص الرقمية من خلال سبع فئات دلالية رئيسية:

 

  1. نزع الإنسانية والوصم الاجتماعي
  2. التخوين والربط بالعنف
  3. التحريض على العنف والطرد الجماعي
  4. خطاب الغزو الديموغرافي
  5. خطاب استعادة الأرض
  6. الخطاب الانفصالي – ربط الكنابي بأصولهم الدارفورية لتصويرهم كتهديد البلاد
  7. الخطاب المرتبط بالانتهاكات الحقوقية – رصد العلاقة بين الخطاب والتحريض الفعلي على القتل والاعتقال والحرق

التحليل النوعي أظهر أن خطاب الكراهية ليس عفويًا ولا فرديًا، بل نتاج بنية لغوية واجتماعية منظمة تُعيد إنتاج مفاهيم “الآخر” و“الغازي” و“غير المستحق للانتماء”.

 

 

 النتائج الرئيسية :

 

خطاب الكراهية ضد الكنابي سبق فعليًا ورافق الانتهاكات الميدانية من حرق واعتقالات وقتل.

الخطاب الانفصالي وفر الغطاء الأيديولوجي للكراهية، عبر ربط الكنابي بمشاريع “انفصال دارفور”.

الخطاب العدائي يُستخدم لتبرير العنف الجماعي وإعادة إنتاج الهرمية الجهوية داخل المجتمع.

غياب ردّ فعل مجتمعي منظم يعزز تطبيع العنف الرمزي واللفظي ضد الكنابي.

 

 

 التوصيات :

 

على المستوى القانوني :

تطبيق القوانين الوطنية لمناهضة خطاب الكراهية والتحريض،

تضمين التحريض اللفظي في تعريف الجرائم ضد الإنسانية،

دعم جهود الملاحقة القانونية للمحرضين على العنف الرقمي.

 

 

 على المستوى المجتمعي :

 

– إنشاء آليات رصد وإنذار مبكر للعنف الخطابي،

– إطلاق برامج مصالحة محلية وتوعية رقمية لمواجهة الصور النمطية حول الكنابي،

– إشراك الزعماء الأهليين والشباب في برامج مكافحة التحريض الرقمي.

 

▪على المستوى الدولي والحقوقي :

دعوة بعثة تقصي الحقائق الأممية لمتابعة العلاقة بين الخطاب العدائي والانتهاكات ضد الكنابي.

إدراج مجتمعات الكنابي ضمن الفئات ذات الأولوية في الحماية الإنسانية.

دعم مشاريع التوثيق والعدالة الانتقالية المتعلقة بخطاب الكراهية والتحريض في السودان.

 

 

يؤكد هذا التقرير أن خطاب الكراهية ضد الكنابي ليس ظاهرة لغوية فحسب، بل جزء من منظومة العنف والتمييز في السودان.

فالكلمة أصبحت سلاحًا، والخطاب تحول إلى آلية تمهيد وتبرير للانتهاك.

ولذلك، فإن مكافحة خطاب الكراهية تمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة والمصالحة الوطنية، وضمان ألا تتكرر مأساة الكنابي في أي منطقة أخرى من البلاد.

 

 

 

 

 المقدمة

 

شهد السودان خلال الأعوام الأخيرة تصاعدًا خطيرًا في خطاب الكراهية، الذي اتخذ بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023 أشكالًا أكثر حدّة واستقطابًا، خصوصًا في الفضاءات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي. ضمن هذا السياق، برزت فئة الكنابي – وهي مجتمعات سكانية نشأت تاريخيًا داخل مشروع الجزيرة الزراعي نتيجة استقرار عمال زراعيين قادمين من غرب السودان ودارفور – كأحد أبرز أهداف الخطاب العدائي والتحريضي.

 

تعكس المنشورات المجمعة من شهري يونيو ويوليو 2025 نمطًا متكرّرًا من التحريض الممنهج ضد الكنابي، يجمع بين الإقصاء العرقي والتحريض الأمني والسياسي. ففي عدد من النصوص، يُقدَّم الكنابي كـ”خطر أمني” و”مأوى للعصابات والمليشيات”، مع الدعوة الصريحة إلى تفكيك مساكنهم أو حرقها، بينما تُربط أصولهم الجغرافية بضرورة انفصال دارفور، ويُصوَّر وجودهم داخل الجزيرة كـ”غزو ديموغرافي” يهدد الهوية المحلية.

 

يتقاطع هذا الخطاب مع نزعة انفصالية متصاعدة تستدعي تقسيم السودان على أسس إثنية، حيث يَعتبر بعض المتحدثين أن “زرع إنسان دارفور داخل الجزيرة” خطأ استراتيجي، ويدعون إلى “تطهير المنطقة” عبر الإخلاء أو الإبادة الرمزية. ويقترن ذلك بخطاب ديني وأخلاقي يصوّر سكان الكنابي بوصفهم “مصدرًا للجريمة والدعارة والمسكرات”، لتبرير حرمانهم من حق السكن والانتماء.

هذا التقرير يأتي كمحاولة علمية لتفكيك هذه الظاهرة عبر تحليل كمي ونوعي متكامل:

  1. التحليل الكمي: يرصد توزيع وأنواع خطاب الكراهية عبر المنصات خلال الفترة المستهدفة، مع تصنيفها إلى خطابات عرقية، سياسية، أو خطيرة.
  2. التحليل النوعي: يتناول البنية الدلالية واللغوية للخطاب، ويحلّل علاقته بالسياقات السياسية والاجتماعية، وبخاصة ارتباطه بالخطاب الانفصالي وبالانتهاكات الواقعة والمحتملة ضد الكنابي.

 

إن أهمية هذا التقرير لا تكمن فقط في توصيف الظاهرة، بل في إبراز البنية العميقة التي تجعل خطاب الكراهية ضد الكنابي أداة لتبرير الإقصاء وانتهاك حقوق الإنسان. فالتحريض اللفظي في هذا السياق لا يُعدّ مجرد رأي أو تعبير متطرف، بل جزءًا من نظام لغوي يهيّئ الأرضية للعنف البنيوي والجماعي.

 

يهدف التقرير إلى المساهمة في بناء فهم أعمق للعلاقة بين الخطاب الرقمي والسياسات الواقعية في السودان، ودعم الجهود الحقوقية الرامية إلى رصد خطاب الكراهية ومساءلة مروّجيه، حمايةً للنسيج الاجتماعي وصونًا لحقوق جميع المجتمعات المحلية دون تمييز.

 

 الخلفية التاريخية والسياقية لمجتمعات الكنابي :

 

تُعد الكنابي من الظواهر الاجتماعية الفريدة في تاريخ السودان الحديث، إذ نشأت في بدايات القرن العشرين مع توسّع مشروع الجزيرة الزراعي الذي يُعد أكبر مشروع مروي في أفريقيا، والذي استقطب عشرات الآلاف من العمال من مناطق مختلفة، خصوصًا من دارفور وكردفان وغرب أفريقيا، للعمل في زراعة القطن والمحاصيل الموسمية.

بمرور الزمن، تحولت أماكن إقامة هؤلاء العمال المؤقتة إلى تجمّعات سكنية شبه دائمة عُرفت باسم “الكنابي” (مفردها كنبو)، وهي في الأصل أكواخ صغيرة بُنيت قرب الحواشات الزراعية لتسهيل العمل الموسمي.

 

ومع تطوّر الأجيال، أصبحت هذه الكنابي مجتمعات متكاملة تضم أسرًا مستقرة، ومساجد، ومدارس بدائية، وحياة اجتماعية نابضة. غير أنّ سكانها ظلّوا يعانون التهميش المزدوج:

من جهة، غياب الاعتراف القانوني بمناطقهم كمناطق سكن رسمية داخل المشروع؛

ومن جهة أخرى، النظرة الاجتماعية السائدة وسط بعض المزارعين ومُلّاك الأراضي الذين اعتبروا الكنابي امتدادًا للعمالة الوافدة المؤقتة لا كمجتمع أصيل داخل الولاية.

 

هذا الوضع التاريخي الهش جعل الكنابي عرضةً لخطابات التمييز الاجتماعي والطبقي منذ عقود، إلا أن الأمر اتخذ بعدًا أخطر بعد اندلاع الحرب الأخيرة في البلاد.

فمع الانقسام السياسي والميداني بين الجيش وقوات الدعم السريع، وجد بعض الفاعلين المحليين في الكنابي كبش فداء جاهزًا، إذ جرى ربطهم زيفًا بقوات الدعم السريع والحركات المسلحة القادمة من دارفور، وتحوّل الخطاب من مجرد وصم اجتماعي إلى تحريض على القتل والحرق والطرد الجماعي.

 

تاريخيًا، كانت الكنابي تمثّل جسرًا للتفاعل بين الثقافات والمناطق السودانية، لكنها اليوم تُواجه خطر أن تُصبح ضحية خطاب يُعيد تعريف المواطنة نفسها على أسس إثنية ومناطقية.

إن فهم جذور هذه المجتمعات وموقعها في مشروع الجزيرة ليس مجرد توثيق تاريخي، بل خطوة أساسية لتفسير كيف ولماذا تحوّلت من قوة عمل منتجة ومكوّن اجتماعي مهم إلى موضوع لخطاب كراهية وتحريض ممنهج.

 

 

 

 أهداف التقرير ومنهجيته

 أولًا: أهداف التقرير

 

يهدف هذا التقرير إلى دراسة وتحليل خطاب الكراهية الموجَّه ضد مجتمعات الكنابي في ولاية الجزيرة، من خلال الدمج بين التحليل الكمي (الإحصائي) والتحليل النوعي (الدلالي والسياقي)، بما يسمح بفهم الظاهرة من حيث حجم انتشارها ودينامياتها ومعانيها.

وتتمثل الأهداف الرئيسة في الآتي:

 

  1. رصد وتحليل حجم وانتشار خطاب الكراهية ضد الكنابي عبر منصات التواصل الاجتماعي خلال شهري يونيو ويوليو 2025.
  2. تصنيف أنماط الخطاب إلى فئات محددة (عرقي – خطير – تحريضي – سياسي).
  3. تحليل المضمون اللغوي والدلالي لاستخلاص السمات التعبيرية والرمزية التي يستخدمها الخطاب العدائي.
  4. تفسير العلاقة بين الخطاب العدائي والخطاب الانفصالي الذي يُحمّل سكان الكنابي أبعادًا جهوية وسياسية مرتبطة بأصولهم من دارفور.
  5. ربط الخطاب العدائي بالانتهاكات الحقوقية الواقعية والمحتملة التي تعرّضت أو قد تتعرّض لها هذه المجتمعات.
  6. تقديم توصيات عملية وتشريعية وإعلامية للحد من خطاب الكراهية وتعزيز الحماية القانونية والمجتمعية لسكان الكنابي.

 

ثانيًا: منهجية التقرير

 

  1. نموذج التحليل

اعتمد التقرير على نموذج التحليل المدمج (Mixed-Methods Approach) الذي يجمع بين التحليل الإحصائي الكمي والتحليل النوعي البنيوي للخطاب، وذلك لتحقيق فهم شامل للظاهرة قيد الدراسة.

 

  1. مصادر البيانات

استُندت البيانات إلى منشورات ومحتويات رقمية منشورة على منصات فيسبوك وإكس (تويتر) خلال الفترة من 1 يونيو إلى 31 يوليو 2025.

شملت العينة النهائية 46 منشورًا تمثل حالات صريحة لخطاب كراهية موجه ضد مجتمعات الكنابي.

 

  1. التحليل الكمي باستخدام برنامج SPSS
  • تمت معالجة البيانات الرقمية باستخدام برنامج التحليل الإحصائي SPSS بهدف استخراج مؤشرات كمية دقيقة تشمل:
  • عدد وتوزيع المنشورات حسب المنصة (فيسبوك / إكس).
  • أنواع الخطاب (عرقي – خطير – تحريضي).
  • مستوى الانتشار من حيث المشاهدات، التفاعلات، والمشاركات.
  • المتوسطات الحسابية والانحراف المعياري لقياس الفروقات بين المنصات ونوعية الخطاب.
  • العلاقات الارتباطية بين طبيعة الخطاب ومستوى التفاعل الجماهيري.

 

  1. التحليل النوعي باستخدام NVivo

تم استخدام برنامج NVivo 14 لإجراء تحليل دلالي وسياقي معمّق للبيانات النصية وفق منهج تحليل المضمون (Content Analysis).

وقد تم بناء نظام ترميز (Codebook) يتضمن فئات موضوعية ولغوية تمثل الأنماط الرئيسة في الخطاب

اعتمد التحليل النوعي على التكرار والتشبع الدلالي لاستخلاص العلاقات بين الفئات، مع تتبع المفردات والتراكيب المتكررة (مثل: “أحرقوا”، “غرباء”، “مدفع 23”، “طرد”) لتحديد البنية الرمزية للعنف داخل اللغة المستخدمة.

 

  1. التحقق من الصدقية والمصداقية

الصدق الداخلي: من خلال المراجعة المزدوجة للترميز في NVivo ومقارنة النتائج بين محللين مستقلين لضمان الاتساق.

الصدق الخارجي: عبر مطابقة النتائج النوعية مع المؤشرات الكمية الناتجة من SPSS لإثبات الترابط بين الانتشار العددي وشدة الخطاب.

التحقق الميداني: تمت مراجعة بعض النتائج مع مراقبين ميدانيين في ولاية الجزيرة لتأكيد دقة سياقها الاجتماعي والسياسي.

 

  1. الضوابط الأخلاقية

تم إخفاء هوية الحسابات والأسماء الشخصية لحماية الأفراد من الانتقام أو الوصم.

استُخدمت الاقتباسات من المنشورات الأصلية لأغراض تحليلية فقط، دون إعادة نشر أي محتوى تحريضي.

يلتزم التقرير بمبادئ الشفافية البحثية وعدم الانحياز، مع اعتماد المعايير الأخلاقية في تحليل البيانات الرقمية الحساسة.

 

  1. حدود التقرير

يغطي التقرير فترة زمنية محدودة (شهران)، ما يجعل نتائجه مؤشرات عامة قابلة للتحديث مستقبلاً.

تم تحليل محتوى نصي فقط دون تضمين الصور أو مقاطع الفيديو، رغم دورها المتنامي في التحريض.

لا يتناول التقرير الخطاب الرسمي للمؤسسات السياسية، بل يركز على الخطاب الشعبي في الفضاء الرقمي.

 

 ثالثًا: القيمة المضافة

 

يمثل هذا التقرير نموذجًا تطبيقيًا يجمع بين التحليل الإحصائي واللغوي للخطاب الرقمي في السودان، وهو بذلك يُقدّم مساهمة أصيلة في ربط التحليل العلمي بخطاب حقوق الإنسان.

كما يُعد أداة عملية يمكن استخدامها لاحقًا لتطوير مؤشر وطني لخطاب الكراهية، وتأسيس آلية إنذار مبكر للعنف القائم على الهوية

 

 

 

 التحليل الكمي

 

 

 نظرة عامة على البيانات

 

اعتمد التحليل الكمي في هذا التقرير على معالجة البيانات الرقمية المستخرجة من منشورات عامة على منصتي فيسبوك وإكس (تويتر) خلال شهري يونيو ويوليو 2025، والتي تضمنت محتوى صريحًا لخطاب الكراهية الموجّه ضد مجتمعات الكنابي في ولاية الجزيرة.

وقد بلغ عدد الحالات محل الرصد والتحليل 46 منشورًا، تمثل نماذج واضحة لخطاب عدائي متكرر ومؤثر.

تمت معالجة هذه البيانات باستخدام برنامج SPSS لاستخراج مؤشرات كمية دقيقة، شملت: عدد المنشورات، نوع الخطاب، المنصة، وعدد المشاهدات، المشاركات، والتفاعلا

توزيع الخطاب حسب النوع

 

أظهرت نتائج التحليل أن الخطاب العرقي هو النمط الأكثر شيوعًا في المنشورات الموجهة ضد الكنابي، حيث شكّل نحو 71% من إجمالي المحتوى المرصود.

 

رسم بياني رقم (1)

 

 

التوزيع حسب المنصات الرقمية

 

كشف التحليل أن منصة فيسبوك كانت الفضاء الأبرز لانتشار الخطاب العدائي، إذ استحوذت على حوالي ثلثي المنشورات المرصودة، مع معدلات تفاعل تفوق منصة إكس.

يُعزى ذلك إلى الطابع الاجتماعي لمستخدمي فيسبوك في السودان، واتساع دائرة التعليقات والمشاركات مقارنة بفضاء إكس الذي يهيمن عليه النقاش السياسي النخبوي.

كما لوحظ أن المنشورات على فيسبوك تحظى بتفاعل أكبر من حيث عدد المشاركات والتعليقات، في حين أن المحتوى المنشور على إكس يحقق معدلات مشاهدة أعلى نسبيًا لكنه أقل في التفاعل المباشر.

وهذا يشير إلى أن خطاب الكراهية على فيسبوك يتغلغل في المجتمعات المحلية بشكل أعمق، بينما ينتشر على إكس بين دوائر أكثر ارتباطًا بالنقاش العام والسياسي.

 

رسم بياني رقم (2)

 

 

 مؤشرات التفاعل والانتشار

 

بلغ إجمالي المشاهدات خلال فترة الرصد بعد المضاعفة نحو 13,996 مشاهدة، وهو رقم يعكس حجم الانتشار الرقمي للخطاب العدائي ضد الكنابي خلال شهرين فقط.

أما إجمالي التفاعلات (الإعجابات، التعليقات، الرموز التعبيرية) فقد بلغ 822 تفاعلًا، بينما سُجّل 118 مشاركة مباشرة لمحتوى يتضمن تحريضًا أو وصمًا جماعيًا.

 

تشير هذه الأرقام إلى أن الخطاب العدائي ضد الكنابي ليس هامشيًا، بل يحظى بدرجة معتبرة من التداول والمشاركة، خصوصًا في المنشورات التي تجمع بين العنصرين العرقي والتحريضي، إذ يميل هذا النوع من الخطاب إلى تحقيق معدلات أعلى من التفاعل بسبب طابعه الانفعالي والعاطفي.

 

رسم بياني رقم (3)

 

 العلاقة بين نوع الخطاب ومستوى التفاعل

 

أظهر التحليل الإحصائي وجود علاقة ارتباط إيجابية بين حدة الخطاب ومستوى التفاعل الجماهيري، إذ حققت المنشورات ذات اللغة العنيفة أو التحريضية أعلى معدلات للمشاركة والتعليق.

وهذا يؤكد أن الخطاب الأكثر تطرفًا هو أيضًا الأكثر جذبًا للتفاعل الرقمي، ما يعزز فرضية أن شبكات التواصل الاجتماعي تُسهم — عبر آليات الخوارزميات — في تضخيم الخطاب العدائي بدلاً من الحد منه.

في المقابل، أظهرت المنشورات التي تحتوي على إيحاءات عرقية ضمنية أو تهكم ساخر معدلات تفاعل أقل، لكنها أكثر انتشارًا من حيث التداول السلبي (الاقتباس أو إعادة النشر دون تعليق).

 

 دلالات رقمية عامة

 

تُظهر المؤشرات الكمية أن خطاب الكراهية ضد الكنابي:
  1. يميل إلى الانتشار الأوسع على المنصات ذات الطابع الاجتماعي المحلي (فيسبوك).
  2. يتسم بالطابع العرقي أكثر من الطابع التحريضي المباشر، مما يعكس أن الجذر الأساسي للخطاب هو التمييز الهوياتي لا التحريض السياسي المباشر .
  3. يتحول في بعض الحالات إلى دعوات صريحة للعنف الجماعي، مما يجعل مخاطره تتجاوز الإطار اللفظي إلى إمكانية التحريض الواقعي.
  4. يحظى بدرجة تفاعل مرتفعة نسبيًا، مما يعني أن هذا النوع من الخطاب لا يُقابل بالرفض العام، بل يجد بيئة متعاطفة أو صامتة تجاهه.

 

 

يُبرز التحليل الكمي أن خطاب الكراهية ضد الكنابي في ولاية الجزيرة هو ظاهرة متصاعدة وممنهجة، تتغذى من الانقسامات الاجتماعية والسياسية التي أفرزها النزاع المسلح في السودان.

إذ لم يعد الخطاب مجرد تعبير عن رأي أو موقف، بل أصبح أداة لتجريم جماعة سكانية بأكملها، تبرر العنف ضدها وتُعيد إنتاج الوصم الاجتماعي القديم في صورة جديدة.

تُعد هذه النتائج مؤشرًا خطيرًا على أن الفضاء الرقمي أصبح بيئة خصبة لإعادة إنتاج التمييز، وأن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تدخلًا متعدد المستويات — قانوني، إعلامي، وتربوي — يهدف إلى إضعاف بنية التحريض الرقمي قبل أن تتحول إلى عنف مادي.

 

 

 التحليل النوعي:

 

الأنماط الدلالية واللغوية لخطاب الكراهية ضد الكنابي

يهدف التحليل النوعي إلى فهم البنية العميقة للخطاب العدائي الموجَّه ضد مجتمعات الكنابي، من حيث اللغة والرموز والمعاني التي يستند إليها في تبرير الكراهية والإقصاء.

فبينما تُظهر البيانات الكمية حجم انتشار الخطاب، يكشف التحليل النوعي عن كيف يُبنى هذا الخطاب لغويًا ودلاليًا، وكيف يُنتج تصورات اجتماعية وسياسية تسهم في شرعنة العنف أو التمييز ضد فئة سكانية بعينها.

اعتمد التحليل على نظام ترميز تفصيلي (Codebook) داخل برنامج NVivo، اشتمل على سبع فئات دلالية رئيسة، خمس منها أنماط أساسية لخطاب الكراهية، واثنتان تفسيريّتان تعكسان العلاقة بين الخطاب والواقع الاجتماعي والسياسي.

 

نزع الإنسانية والوصم الاجتماعي

 

يُعد هذا النمط من أكثر أنماط الخطاب تكرارًا وشيوعًا.

يتجلى في استخدام ألفاظ تحقيرية تُجرّد الكنابي من صفاتهم الإنسانية أو تُصورهم كفئة منحطة أو متخلفة.

تتكرر أوصاف مثل “السكارى”، “العبيد”، “الوسخ”، “الغرابة”، وهي كلمات تُستخدم تاريخيًا في السودان لترسيخ الهرمية الاجتماعية والتمييز الطبقي.

 

يؤدي هذا النمط إلى نزع التعاطف الإنساني مع الضحايا، حيث لا يُنظر إلى الكنابي كأفراد متساوين في الكرامة، بل كـ”آخر” أدنى منزلة، يمكن التهكم عليه أو طرده دون شعور بالذنب.

هذا النوع من الخطاب يمثل المدخل اللغوي الأول للعنف، إذ يمهد نفسيًا واجتماعيًا لتبرير الانتهاك.

يتعمد الخطاب هنا دمج الملامح الإثنية والصفات الأخلاقية في صورة واحدة، لتكوين “شخصية نمطية” للكنابي: فـ”الغرباء” هم “السكارى”، و”المجرمون” هم “العبيد”.

أي أن الانتماء الجغرافي أو العرقي يُساوى ضمنيًا بالانحراف الأخلاقي.

 

مثال (1)

 

 

التخوين والربط بالعنف المسلح

 

يتمثل هذا النمط في ربط الكنابي مباشرة بقوات الدعم السريع أو بالحركات المسلحة القادمة من دارفور، واتهامهم بأنهم خلايا نائمة أو عناصر متعاونة.

يُستخدم هذا الاتهام لتبرير عمليات الاعتقال والحرق، عبر نشر روايات مثل:

“هؤلاء هم جنود الدعم السريع متخفين”،

“هم من دلّوا الجنجويد على بيوت المواطنين”،

“أغلب الكنابي فيها سلاح ومتمردين”

هذا النمط يربط الهوية الجهوية بجريمة مفترضة مسبقًا، ويحوّل الوجود السكاني نفسه إلى خطر أمني.

وفي التحليل الدلالي، يُلاحظ أن الخطاب يستخدم ضمائر الجمع (“هم”) مقابل “نحن” لإنتاج ثنائية العدو/الضحية، ما يرسخ الانقسام الاجتماعي بين سكان الجزيرة والكنابي.

يُعتبر هذا النمط أخطر من الناحية الحقوقية، لأنه ينزع الشرعية القانونية عن الكنابي كمواطنين، ويفتح الباب أمام استهدافهم تحت مبرر “الأمن الوطني”.

 

مثال رقم (2)

 

 التحريض على العنف والطرد الجماعي

 

يُعد هذا النمط أكثرها مباشرة وخطورة، حيث يتحول الخطاب من الإقصاء اللفظي إلى دعوات صريحة للفعل.

ترد فيه تعبيرات مثل:

“أحرقوهم قبل ما يرجعوا”،

“نظفوا الجزيرة من الغرابة”،

“الكنابي لازم تتشال كلها”.

 

هذا الخطاب لا يكتفي بالتحريض، بل يُظهر تطبيعًا للعنف كخيار مشروع، مستخدمًا مفردات تبدو جماعية (“نظفوا”، “احموا”) لإضفاء بعد وطني زائف على فعل الإقصاء.

ويرتبط هذا النمط بلحظات التوتر السياسي والميداني، خصوصًا أثناء تبدّل السيطرة بين الجيش والدعم السريع في ولاية الجزيرة، حيث يتحول الخطاب الرقمي إلى محفّز نفسي للعنف المجتمعي.

 

مثال رقم (3)

 

 خطاب الغزو الديموغرافي :

 

يُصور الكنابي هنا كـ”غزاة سكانيين” يهددون التوازن الاجتماعي والديموغرافي في الجزيرة.

تُستخدم عبارات مثل:

 

“احتلوا أراضينا”،

“زاد عددهم لحد ما بقوا أصحاب البلد”،

“الغرابة سيطروا على كل المشاريع”.

 

هذا النمط يعبّر عن خوف جمعي أكثر من كونه تحريضًا مباشرًا، لكنه أخطر من حيث تأصيل العنصرية البنيوية، لأنه يصور وجود الكنابي نفسه كتهديد يجب التعامل معه.

ويؤدي إلى تبرير أي شكل من أشكال الإقصاء (كمنع السكن أو التعليم) بوصفه إجراءً وقائيًا

يقوم هذا الخطاب على استعارة استعمارية ضمنية: “الغزاة”، “الاحتلال”، “الاستيطان”، مما ينزع عن الكنابي أي حق في الوجود المحلي، ويُعيد إنتاج مفهوم “الآخر الغازي”.

 

مثال رقم (4)

 

 

 

 خطاب استعادة الأرض

 

يركز هذا النمط على المطالبة بطرد الكنابي بذريعة أن الأرض ملك لأهالي الجزيرة وأن الكنابي “دخلاء استولوا على الحواشات”.

يتكرر هنا مصطلح “استعادة الأرض” أو “تنظيف المشروع” في المنشورات، وهي لغة تُحاكي مفردات السيادة والاستحقاق.

 

في جوهره، لا يتحدث الخطاب عن “ملكية قانونية”، بل عن هوية الأرض، حيث تصبح الملكية مبررًا لإقصاء جماعة بأكملها.

وبذلك يتحول الخطاب من مطلب اقتصادي إلى أداة عنصرية تُعيد تعريف من يستحق الأرض ومن لا يستحقها.

 

مثال رقم (5)

 

 الخطاب الانفصالي

 

يبرز هذا النمط التفسيري في الطريقة التي يُربط بها الكنابي بـ”دارفور” بوصفها جذرًا جغرافيًا خارج الانتماء المحلي.

يُستخدم هذا الربط لتأطير الكنابي كمجموعة غير منتمية للولاية أو للوطن، عبر عبارات مثل:

 

“خلو دارفور لأهلها”،

“أرجعوا لبلدكم”،

“الغرابة عايزين يعملوا دولة تانية”.

يظهر هنا تلاقٍ واضح بين خطاب الكراهية وخطاب الانفصال السياسي، حيث يتم تأطير الكنابي كجزء من “مشروع غريب” يهدد وحدة السودان.

هذه الصيغة تفتح الباب أمام نزع المواطنة وتجريد الكنابي من حقوقهم الدستورية عبر لغة العداء الجهوي

 

الخطاب المرتبط بانتهاكات حقوق الإنسان

 

من خلال الربط بين التحليل النوعي والرصد الميداني، تبيّن أن الخطاب العدائي ضد الكنابي سبق ورافق عمليات عنف فعلية تضمنت القتل، الحرق، والاعتقال الجماعي.

فقد استخدم خطاب الكراهية كأداة تبرير اجتماعي لهذه الانتهاكات، بحيث يُقدَّم العنف كـ”رد فعل مشروع” أو “دفاع عن الأرض”.

كما أن استمرار تداول الخطاب العدائي بنفس البنية اللغوية بعد تلك الانتهاكات يرجّح احتمال تكرارها مستقبلًا، إذ لم يُقابل بخطاب رفض مجتمعي واسع.

لذلك يمثل هذا النمط جسرًا بين الخطاب والفعل، ويُبرز كيف يمكن للكلمة أن تصبح مقدمة للجريمة.

 

 

تكشف النتائج النوعية أن خطاب الكراهية الموجّه ضد الكنابي ليس عفويًا أو فرديًا، بل هو نتاج بنية لغوية واجتماعية متكررة تستند إلى :

تصورات راسخة حول “الآخر الدارفوري”،وإلى إرث تمييزي طويل في مشروع الجزيرة،ويتغذى اليوم من حالة الانقسام السياسي والعسكري.

اللغة في هذا الخطاب ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة للهيمنة والسيطرة الرمزية، تُعيد تعريف من هو “المواطن” ومن هو “الغازي”، وتبرر ضمنيًا العنف والإقصاء باسم حماية الجماعة الأصلية.

 

 

 العلاقة بين خطاب الكراهية الموجّه ضد الكنابي والخطاب الانفصالي

 

 

تُظهر نتائج التحليل النوعي أن جزءًا كبيرًا من خطاب الكراهية الموجّه ضد الكنابي في ولاية الجزيرة لا يمكن فصله عن الخطاب الانفصالي ذي الجذور الجهوية والسياسية المرتبطة بإقليم دارفور.

فالأصل الجغرافي لعدد كبير من سكان الكنابي — الذين انتقل أسلافهم إلى مشروع الجزيرة للعمل منذ بدايات القرن العشرين — أصبح اليوم أداة تأطير رمزية تُستخدم لاتهامهم بعدم الانتماء الوطني الكامل، أو بالولاء لمشروعات “انفصالية” مفترضة.

 

هذا الربط بين “الأصل الدارفوري” و”الانفصال” يمثّل آلية لغوية وسياسية لإنتاج الكراهية، إذ يقدّم الكنابي بوصفهم “غرباء” يحملون تهديدًا وجوديًا لكيان الدولة ووحدة الإقليم.

 

 

 أولًا: من الهوية الجهوية إلى “التهديد السياسي”

 

يبدأ الخطاب العدائي غالبًا من تمييز إثني أو جهوي بسيط (“هؤلاء من دارفور”)، ثم يتصاعد تدريجيًا ليصبح اتهامًا سياسيًا (“هم أتباع الحركات”، “هم من يريدون تقسيم السودان”).

بهذا التدرج، يتم تحويل الهوية الجهوية إلى تهمة سياسية، ومن ثمّ إلى مبرر اجتماعي للعنف والإقصاء.

 

من خلال تحليل منشورات العينة في NVivo، تكررت تعبيرات مثل:

 

 

“هؤلاء دُخلاء من دارفور”،

“عندهم مشروع غزو من الغرب”،

“الغرابة ديل دايرين يحكموا البلد”،

“الكنابي جزء من مخطط دارفوري كبير”.

 

 

 

هذه اللغة لا تُهاجم الكنابي كأفراد، بل تُقدّمهم كمكوّن جغرافي-سياسي متكامل، أي كـ”جماعة تهديد” تمثل خطرًا جماعيًا على وحدة الإقليم.

ويؤدي ذلك إلى خلط متعمد بين الانتماء الجغرافي والولاء السياسي، وهو ما يُعد من أبرز خصائص الخطاب الانفصالي في السودان منذ مطلع الألفية.

 

 

 ثانيًا: الوظيفة التعبوية للخطاب الانفصالي

 

يقوم هذا النوع من الخطاب بدور تحريضي مزدوج:

 

  1. تحفيز الكراهية المحلية عبر تصوير الكنابي كقوة خارجية تسعى للاستيلاء على الأرض.
  2. إعادة تعريف الانتماء الوطني من منظور مناطقي ضيق، بحيث يصبح “الجزيري الأصيل” مقابل “الدارفوري الدخيل”.

 

وقد أظهرت البيانات أن منشورات عديدة ربطت الكنابي بـ:

 

قوات الدعم السريع (بوصفها دارفورية المنشأ)،

الحركات المسلحة،

أو بمشروع “دولة غرب السودان”.

بذلك يتحول الخطاب الانفصالي إلى مظلة تبريرية للعنف: إذ تُصوَّر الجرائم ضد الكنابي كـ”إجراءات دفاعية” ضد مشروع تفكيك الدولة أو “استعمار الجزيرة من الغرب”.

 

 

 

 ثالثًا: البنية اللغوية للخطاب الانفصالي

 

من الناحية اللغوية، يتميز هذا الخطاب بثلاث سمات رئيسية:

 

  1. استخدام ضمائر التقسيم الهوياتي:

كلمات مثل “نحن أهل الجزيرة” مقابل “هم الغرابة”، تؤسس ثنائية “الأصلي/الدخيل”، “الوطني/الغازي”.

 

 

  1. الاستعارات السياسية الحربية:

استخدام مفردات مثل “الغزو”، “الاستيطان”، “الاحتلال الدارفوري”، وهي استعارات تُحوّل الحضور السكاني إلى عمل عدائي يستوجب المقاومة.

 

  1. الإحالة على الانفصال الجغرافي:

عبارات مثل “ارجعوا لبلدكم”، “خلو دارفور ليكم”، و“السودان ما بتقسموه علينا”، تُستخدم لنفي الانتماء الوطني وإسناد هوية جغرافية حصرية للكنابي.

 

هذه السمات تجعل الخطاب الانفصالي مكملًا لخطاب الكراهية من حيث الوظيفة، لكنه أعمق من حيث الأثر لأنه ينزع شرعية المواطنة ذاتها، لا مجرد التعايش الاجتماعي.

 

 

 رابعًا: الأثر الاجتماعي والسياسي للخطاب

 

تُظهر العلاقة بين خطاب الكراهية والخطاب الانفصالي أن كليهما يعملان في اتجاه واحد:

التمهيد لشرعنة الإقصاء والعنف.

تغذية الانقسام الجهوي في السودان.

 

 

فعبر هذا الخطاب، يُعاد إنتاج مفهوم “الهوية الوطنية” على أساس إقصائي، حيث يُعاد تعريف “من ينتمي للوطن” وفق منطق الأصل والمكان لا وفق القانون والمواطنة.

هذا التحول اللغوي يُترجم في الواقع إلى انتهاكات جسيمة مثل الاعتقالات والحرق والطرد الجماعي، التي وُثقت لاحقًا ضد الكنابي.

 

بعبارة أخرى:

الخطاب الانفصالي لا يُعبّر عن رأي سياسي، بل عن بنية إقصائية تُحاول استبعاد جماعة بشرية من فضاء الانتماء الوطني، مستعينًا بخطاب الكراهية كمحفّز عاطفي ومبرّر اجتماعي.

 

 الدلالات التفسيرية

 

من خلال الربط بين التحليل النوعي والكمّي، يمكن استخلاص ثلاث دلالات رئيسية:

 

  1. أن خطاب الكراهية ضد الكنابي هو أداة لتكريس سردية الانفصال الجهوي، لا مجرد موقف اجتماعي عابر.
  2. أن اللغة التحريضية (“أرجعوا لبلدكم”) تشكّل حلقة وصل مباشرة بين الخطاب الرقمي والانتهاكات الواقعية، إذ تبرر الأفعال تحت غطاء “الدفاع عن الوطن”.
  3. أن الخطاب الانفصالي هو المكوّن الأيديولوجي العميق لخطاب الكراهية ضد الكنابي، يمنحه الشرعية الرمزية ويحوّله من إهانة إلى “مهمة وطنية”.

 

يمكن القول إن الخطاب الانفصالي ليس مجرد سياق مساعد لخطاب الكراهية، بل هو بنيته التحتية الفكرية.

فالانفصال في هذا السياق لا يُفهم جغرافيًا فقط، بل رمزيًا: انفصال عن المواطنة، عن الحقوق، وعن المساواة الإنسانية.

وحين يُربط وجود الكنابي بمشروعات “غربية” أو “دارفورية”، فإن ذلك لا يهدف إلى النقاش السياسي، بل إلى شرعنة طردهم من الولاية والمجتمع.

 

بالتالي، يمثل هذا المحور أحد أخطر مستويات خطاب الكراهية في السودان، لأنه ينقل العداء من المجال الاجتماعي إلى المجال الوطني والسيادي، ويحوّل الاختلاف في الأصل إلى تهديد وجودي للدولة.

 

 

 

 

 

 

 العلاقة بين خطاب الكراهية وانتهاكات حقوق الإنسان ضد سكان الكنابي

 

 

تكشف المقارنة بين محتوى الخطاب الرقمي الموجَّه ضد سكان الكنابي وبين الوقائع الميدانية التي شهدتها ولاية الجزيرة خلال شهري يونيو ويوليو 2025 أن خطاب الكراهية لم يكن مجرد تعبير لفظي أو انفعالي، بل أدى دورًا مباشرًا في تمهيد الأرضية النفسية والاجتماعية لانتهاكات جسيمة طالت هذه المجتمعات.

إذ مثّل الخطاب العدائي — خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي — مرحلة “التطبيع الرمزي” للعنف، أي تحويل العنف من سلوك مدان إلى فعل مقبول ومبرّر أخلاقيًا في المخيال الجمعي.

 

 

 

 من الكلمة إلى الفعل

 

أظهر تحليل التسلسل الزمني للمنشورات أن الخطاب العدائي ضد الكنابي سبق فعليًا الموجة الأولى من الاعتقالات والحرق التي وقعت في عدد من القرى بعد سيطرة القوات المسلحة على ولاية الجزيرة.

في الأسابيع التي سبقت تلك الأحداث، انتشرت منشورات ومقاطع رقمية تستخدم لغة تحريضية مثل:

 

“نظفوا الجزيرة من الغرباء”،

“الكنابي مخازن سلاح الدعم السريع”،

“احرقوهم قبل ما يغدروا بيكم”.

 

 

 

هذه اللغة — كما أظهر التحليل في NVivo — اتسمت بثلاث مراحل تصاعدية:

 

  1. مرحلة التنميط والتشويه: نزع الإنسانية وربط الكنابي بالجرائم.
  2. مرحلة التعبئة المجتمعية: دعوات للتحرك الجماعي لطرد أو محاربة الكنابي.
  3. مرحلة التبرير الأخلاقي: اعتبار العنف “دفاعًا عن الأرض” أو “واجبًا وطنيًا”.

 

بذلك، لا يصبح الفعل العنيف انحرافًا عن الخطاب، بل تحقيقًا له، حيث يتحول خطاب الكراهية إلى أداة تعبئة وتحريض ممنهج.

 

 

 آليات التحريض والتبرير

اعتمد الخطاب العدائي في بناء شرعيته على ثلاث آليات لغوية ودلالية رئيسة:

  1. التهديد الأمني المتخيّل:

تصوير الكنابي كمصدر خطر على الاستقرار المحلي (“خلايا الدعم السريع”، “معسكرات سلاح”).

هذا التخيل الأمني خلق مبررًا مسبقًا للعقاب الجماعي.

  1. الاستدعاء الأخلاقي والديني:

ربط العنف بفكرة “حماية الأرض والعِرض”، أو “تطهير الجزيرة من الشر”، ما أضفى على العنف شرعية أخلاقية ودينية زائفة.

  1. إعادة تعريف الضحية والمعتدي:

في الخطاب العدائي، يُقدَّم سكان الجزيرة الأصليون كضحايا محتملين، بينما يُصوَّر الكنابي كمعتدين،

وبالتالي يصبح قتلهم أو حرق قراهم فعل دفاع مشروع.

 

تتحول اللغة من وصفٍ للواقع إلى إنتاجٍ له: حين يُقال إن الكنابي “يسيطرون على المشروع”، فإنها ليست جملة وصفية بل دعوة ضمنية “لاستعادته”.

بذلك، تصبح الكلمة إشارة تنفيذية للعنف لا مجرد خطاب.

 

 

 انعكاس الخطاب في الانتهاكات الميدانية :

 

وفق المعلومات التي وثقها برنامج صوت أمن وشهادات محلية من الجزيرة، تعرضت بعض مجتمعات الكنابي خلال تلك الفترة إلى:

 

عمليات حرق ممنهجة للقرى،

اعتقالات تعسفية واسعة النطاق،

عمليات قتل على الهوية الجهوية،

 

تهجير قسري لعائلات بأكملها.

يتطابق هذا النمط من الانتهاكات مع بنية الخطاب التي سبقتها، مما يُظهر أن خطاب الكراهية شكّل الإطار التبريري للعنف.

فكل فئة من فئات الخطاب النوعي كان لها أثر واقعي محدد:

 

خطاب “نزع الإنسانية” مهّد لتبرير القتل.

خطاب “التهديد الأمني” برّر الاعتقال الجماعي.

خطاب “استعادة الأرض” شرعن الحرق والتهجير.

 

 

  الأثر النفسي والاجتماعي المستمر

 

لا يقتصر أثر الخطاب العدائي على اللحظة التي يحدث فيها العنف، بل يمتد في شكل صدمة جماعية وتهميش متجدد.

فالكنابي اليوم يواجهون وصمة مزدوجة:

وصم رقمي مستمر عبر السوشيال ميديا،

ووصم اجتماعي ميداني ينعكس في التمييز في فرص العمل، التعليم، والسكن.

 

 

يؤدي هذا الوضع إلى إعادة إنتاج الخوف والعزلة داخل هذه المجتمعات، ويقوّض فرص المصالحة مستقبلاً، لأن الكراهية لم تُعالج خطابياً بعد، بل ما زالت تُعاد إنتاجها في الفضاء الرقمي.

 

 

 خامسًا: التبعات القانونية والحقوقية

 

بحسب معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن خطاب الكراهية الذي يؤدي إلى التحريض أو التبرير العلني للعنف يمكن اعتباره مشاركة غير مباشرة في الجريمة إذا ثبتت علاقة سببية بين الخطاب والفعل.

وفي حالة الكنابي، يُظهر التحليل النوعي والكمّي أن المحتوى التحريضي لعب دورًا محوريًا في تشكيل المناخ المجتمعي الذي سمح بوقوع الانتهاكات.

 

بناءً على ذلك، ينبغي أن يُنظر إلى خطاب الكراهية كآلية من آليات الانتهاك ذاته، وليس كظاهرة لغوية فقط، لأنه يسهم في إنتاج بيئة تقبل التمييز والعقاب الجماعي.

 

 

مؤشرات الإنذار المبكر

 

من خلال تحليل الاتجاهات اللغوية والرمزية في المنشورات، يمكن تحديد عدد من الأنماط الإنذارية التي تشير إلى احتمالية تصاعد الانتهاكات مستقبلًا، منها:

 

  1. زيادة استخدام مفردات “التطهير” و“الاستعادة” و“الواجب” في الخطاب الرقمي.
  2. ارتفاع معدلات التفاعل مع المنشورات التي تربط الكنابي بـ“التهديد الأمني”.
  3. تزايد الدعوات الجماعية غير الرسمية للعقاب أو الإخلاء.

هذه المؤشرات يمكن أن تشكّل أساسًا لبناء نظام رصد وإنذار مبكر للعنف المجتمعي يعتمد على تحليل الخطاب.

 

تكشف النتائج النوعية أن خطاب الكراهية ضد الكنابي هو الممر اللغوي للعنف الواقعي.

فالكلمة كانت بداية الجريمة، واللغة كانت الغطاء الأخلاقي لها.

يتضح أن هذا الخطاب أدى إلى:

 

تهيئة الرأي العام المحلي لتقبّل الانتهاكات .

نزع إنسانية الضحايا وتجريمهم جماعيًا،

شرعنة العنف عبر سرديات وطنية أو دينية زائفة.

 

 

لذلك، لا يمكن معالجة الانتهاكات دون معالجة جذورها الخطابية، ولا يمكن تحقيق العدالة دون مساءلة من استخدموا الكلمة كأداة تحريض على الإبادة الرمزية والمادية ضد مجتمع الكنابي.

 

 

 

 

الاستنتاجات والتوصيات والخاتمة:

 

يكشف هذا التقرير، القائم على تحليل بيانات رقمية كمية ونوعية، أن خطاب الكراهية الموجّه ضد مجتمعات الكنابي في ولاية الجزيرة يمثل أحد أخطر مظاهر التحريض المجتمعي في سياق الحرب السودانية الراهنة.

فالتحليل الكمي أظهر اتساع نطاق انتشار الخطاب العدائي على منصات التواصل الاجتماعي، بينما أوضح التحليل النوعي أن هذا الخطاب يتمتع ببنية لغوية ومنهجية منظمة تُحوّله من رأي فردي إلى أداة ممنهجة للعنف والتمييز.

 

ويُبرز التقرير أن العلاقة بين الخطاب والانتهاكات ليست علاقة تتابع زمني فحسب، بل علاقة سببية مباشرة: إذ يسبق الخطاب العنيف الأفعال الميدانية، ويبررها بعد وقوعها، ويهيئ لتكرارها مستقبلاً.

 

 أبرز الاستنتاجات

 

  1. خطاب الكراهية ضد الكنابي ذو طابع بنيوي وليس ظرفي

يتجاوز الخطاب مرحلة الانفعال المؤقت إلى كونه امتدادًا لبنية تمييز تاريخية في مشروع الجزيرة، تستند إلى تصورات تراتبية حول “الأصلي” و“الدخيل”.

بالتالي، فإن جذور الكراهية ليست وليدة الحرب، بل الحرب مكّنت من تحويلها إلى أداة سياسية واجتماعية فعّالة.

  1. الخطاب العرقي هو الشكل الغالب للكراهية

شكّل الخطاب العرقي أكثر من 70% من مجمل المحتوى العدائي، ما يدل على أن الكراهية تُبنى على الهوية والانتماء الجهوي أكثر من أي عامل آخر، مع استدعاء ألفاظ وصور نمطية راسخة في الثقافة المحلية.

  1. الخطاب التحريضي والخطير أكثر تأثيرًا من حيث التفاعل والانتشار

رغم أن نسبته أقل (حوالي 30%)، إلا أن الخطاب التحريضي المباشر يحظى بتفاعل جماهيري أكبر ويحقق انتشارًا أوسع بفضل خوارزميات المنصات الرقمية التي تكافئ المحتوى المثير والمشحون عاطفيًا.

  1. العلاقة بين خطاب الكراهية والانتهاكات علاقة سببية ومباشرة

التحليل الزمني والدلالي يثبت أن الخطاب العدائي سبق حوادث القتل والحرق والاعتقال الجماعي التي استهدفت سكان الكنابي، ما يجعل الخطاب نفسه عنصرًا مساهمًا في إنتاج الانتهاك وليس مجرد انعكاس له.

  1. الخطاب الانفصالي يمثل الإطار الأيديولوجي للكراهية

يُستخدم الربط بين الكنابي ودارفور لتبرير نزع مواطنتهم واعتبارهم تهديدًا للوحدة الوطنية.

بهذا، يتحول الخطاب الانفصالي إلى غطاء سياسي واجتماعي لخطاب الكراهية، مما يضاعف خطره على النسيج الوطني.

  1. الفضاء الرقمي هو المحرك المركزي للخطاب العدائي

فيسبوك تحديدًا كان المنصة الأكثر نشاطًا، حيث تتداول فيه المجتمعات المحلية خطاب الكراهية بصيغ أقرب إلى المحادثة اليومية، ما يجعل تأثيره أعمق في البيئة الاجتماعية الواقعية.

  1. الخطاب العدائي مستمر ولم يُواجه برفض مجتمعي منظم

رغم جسامة الانتهاكات، لم يظهر خطاب مضاد قوي يعزز قيم التعايش والمواطنة، مما يدل على تطبيع جزئي للعنف اللفظي والرمزي ضد الكنابي في الوعي العام المحلي.

 

التوصيات :

 

  1. على المستوى القانوني

الإسراع في تطبيق القوانين الوطنية والدولية الخاصة بمناهضة خطاب الكراهية، وتفعيل العقوبات ضد من ينشر أو يروّج لمحتوى تحريضي عبر المنصات الرقمية.

تضمين التحريض اللفظي العلني ضمن تعريف الجرائم ضد الإنسانية عندما يؤدي إلى انتهاكات فعلية.

دعم جهود النيابة العامة ومنظمات حقوق الإنسان في توثيق العلاقة بين الخطاب والانتهاك لتأسيس دعاوى قانونية ضد المحرّضين.

 

 

  1. على المستوى الإعلامي

إعداد مدونات سلوك إعلامي ورقمي لمواجهة خطاب الكراهية في المنصات المحلية.

إطلاق حملات توعية رقمية باللغة المحلية تستهدف المجتمعات الزراعية وسكان الكنابي لتعزيز خطاب “المواطنة المتساوية”.

تدريب الصحفيين والمُدونين على التمييز بين التغطية النقدية والخطاب التحريضي.

 

  1. على المستوى المجتمعي

تعزيز برامج الحوار المحلي والمصالحة الاجتماعية بين سكان القرى الزراعية ومجتمعات الكنابي.

إنشاء لجان وساطة مجتمعية تضم الزعماء الأهليين والدينيين والشباب لمواجهة الشائعات والتحريض.

دعم مبادرات الإنذار المبكر للعنف المجتمعي عبر رصد المؤشرات اللغوية للتحريض في المنصات.

 

 

  1. على المستوى البحثي والأكاديمي

 

مواصلة تحليل خطاب الكراهية في مناطق أخرى من السودان لتكوين قاعدة بيانات وطنية حول أنماط العداء الجهوي.

تطوير أدوات تحليل لغوي آلي قادرة على اكتشاف الكلمات والمفردات التحريضية في الوقت الفعلي.

إدماج موضوعات الخطاب والكراهية وحقوق الإنسان ضمن برامج كليات الإعلام والاجتماع والسياسة في الجامعات.

 

 

  1. على المستوى الإنساني والحقوقي

 

توثيق شهادات الناجين من الكنابي ضمن قاعدة بيانات وطنية للعدالة الانتقالية.

تقديم دعم نفسي واجتماعي للضحايا وأسرهم ضمن برامج إعادة الإدماج المجتمعي.

مطالبة بعثة تقصي الحقائق الأممية بمتابعة العلاقة بين الخطاب العدائي والانتهاكات الميدانية في السودان كأولوية في عملها.

 

 

 خاتمة

 

يؤكد هذا التقرير أن الكلمة في السياق السوداني الراهن لم تعد مجرد أداة تعبير، بل أصبحت سلاحًا لغويًا ينتج الفعل العنيف.

إن خطاب الكراهية ضد الكنابي لا يعكس أزمة تواصل، بل أزمة عدالة وهوية وطنية، تتجلى فيها تراكمات تاريخية من التمييز الاجتماعي والاقتصادي.

 

ولذلك، فإن مواجهة الكراهية لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل تحتاج إلى معالجة عميقة لجذورها الاجتماعية والاقتصادية، وإعادة بناء الوعي العام على أساس المواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية.

فالعدالة لا تبدأ بالمحاسبة فقط، بل تبدأ أولًا بكسر صمت اللغة التي تبرر الظلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share the Post:

التقارير المتعلقة