أمننة الوجود الأجنبي في السودان – بين الإعادة القسرية، القمع الداخلي، والتحريض الشعبي

 EN: https://kedencentre.org/2025/11/22/foreign-presence-sudan_en

المقدمة

تشهد العاصمة السودانية الخرطوم وعدد من المدن الأخرى، خلال شهور مايو ويونيو ويوليو 2025، حملة أمنية وإعلامية متصاعدة تستهدف الوجود الأجنبي، خاصة من الجنسيات الإثيوبية ومواطني دولة جنوب السودان. تأتي هذه الحملة في ظل مناخ مشحون بالصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وسط اتهامات متبادلة بإشراك أجانب في القتال، وتحت غطاء إعادة تنظيم الوجود الأجنبي، وفقًا لما أعلنته السلطات الرسمية. إلا أن السياقات تشير إلى أبعاد أكثر تعقيدًا تمزج بين السياسي والأمني والعنصري.

بحسب بيانات مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، كان السودان يؤوي قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023 نحو 1.3 مليون لاجئ وطالب لجوء، من بينهم ما لا يقل عن 900 ألف من دول الجوار كجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا وتشاد. ومع اندلاع الحرب وتفاقم النزوح الداخلي، أصبحت مسألة “الوجود الأجنبي” تُستغل كأداة خطابية في سياق الحرب، لا سيما من قبل مؤسسات إعلامية وأطراف محسوبة على النظام السابق (المؤتمر الوطني)، ما زاد من الطابع التعبوي والانتقائي للتعاطي مع القضية.

في مايو 2025، أعلنت وزارة الداخلية السودانية بدء حملة رسمية لترحيل الأجانب “المخالفين”، مؤكدة عبر بيان رسمي أن “الإدارة العامة للجوازات والهجرة شرعت بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة في تنفيذ الحملة القومية لترحيل الأجانب المخالفين، في إطار خطة تنظيم وضبط حركة الأجانب بالبلاد”. كما صرّح والي الخرطوم أحمد عثمان بأن “الخطة ستشمل جميع الأجانب دون استثناء”، وهو تصريح يبدو محايدًا في ظاهره، لكنه يتقاطع فعليًا مع حملات إعلامية وخطابات سياسية تستهدف جنسيات بعينها بصورة ممنهجة.

وقد ارتبطت هذه الإجراءات بخطاب تعبوي يربط وجود الأجانب بالتخابر أو القتال إلى جانب قوات الدعم السريع، دون تقديم أدلة قانونية كافية. وجرى تداول اتهامات جماعية عبر وسائل إعلام موالية للجيش وأصوات من النظام السابق تتحدث عن “أدوار تخريبية واستخباراتية” مزعومة. وفي تصريح مثير للجدل، قالت نضال عثمان، مستشارة الإعلام والعلاقات العامة لقائد قوات تمبورو (المتحالفة مع الجيش)، إن “معركة الكرامة ستكون بداية النهاية للوجود الأجنبي في السودان”، مؤكدة أن “الشعب السوداني الأصيل” عاد للتكاتف خلف جيشه في مواجهة ما وصفته بـ”التمرد”.

من الجدير بالذكر أن الشرطة السودانية كانت، حتى ما قبل اندلاع الحرب، تنفذ حملات تفتيش دورية استهدفت حتى المهاجرين النظاميين وبعض اللاجئين، وغالبًا ما أفضت تلك الحملات إلى اعتقالات تعسفية وغرامات باهظة، ضمن منظومة تُعرف بـ”محاكم النظام العام” التي كانت تُنتقد بشدة من قبل منظمات حقوق الإنسان لافتقارها إلى العدالة الإجرائية واستخدامها أداة للتمييز والابتزاز.

لكن التصعيد الحالي يتجاوز الاعتبارات القانونية أو الأمنية المباشرة؛ فهو يعكس توجهًا أيديولوجيًا–أمنيًا أوسع يسعى إلى إعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس إقصائية، تُقصي الأجانب والفئات المستضعفة من المجال العام، وتُعيد ترسيخ مشروع الدولة الاستعلائي القديم. هذا التوجه يستحضر إرث النظام السابق، الذي لطالما ربط بين مفاهيم الأمن والانتماء العرقي والديني، ويمنح المؤسسة العسكرية غطاءً شعبيًا لإعادة إنتاج سلطتها الرمزية. كما أنه يُستخدم من قبل بعض الفاعلين داخل الجيش كأداة لتعزيز شرعيته في مقابل قوات الدعم السريع، عبر تصويره كحارس للسيادة الوطنية وممثل لـ”السوداني الأصيل” في مواجهة “الخطر الأجنبي”، وهو ما يعكس محاولة أعمق لاستعادة الهيمنة على الدولة والمجتمع في لحظة انهيار شامل للمرجعيات السياسية والقانونية.

 

أهداف التقرير

يركز هذا التقرير على ظاهرة الترحيل القسري والإبعاد القسري للاجئين والمهاجرين الأجانب من السودان، خاصة منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023. ويهدف إلى توثيق وتحليل السياسات والممارسات التي اتبعتها السلطات السودانية تجاه الأجانب، وما نتج عنها من خروقات جسيمة لمبدأ عدم الإعادة القسرية، ومخالفة التزامات السودان بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

يسعى التقرير إلى تحقيق الأهداف التالية:

  1. توثيق حالات الترحيل القسري والانتهاكات المرتبطة بها، بما في ذلك الاعتقالات الجماعية، والاحتجاز التعسفي، وسوء المعاملة أثناء الترحيل.
  2. تحليل الأطر القانونية والتنظيمية الوطنية المتعلقة بالإقامة والهجرة واللجوء، ومدى توافقها مع المعايير الدولية، خصوصًا مبدأ عدم الإعادة القسرية (Non-refoulement).
  3. رصد التحولات في الخطاب الرسمي والإعلامي الذي رافق حملات الإبعاد، وكيفية توظيفه في تأليب الرأي العام وتبرير الانتهاكات.
  4. إبراز أوجه التمييز والانتهاكات الجماعية التي طالت فئات بعينها من اللاجئين والمهاجرين، مثل الإثيوبيين ومواطني دولة جنوب السودان.
  5. تنبيه المجتمع الدولي والمنظمات الأممية إلى تصاعد الانتهاكات، والدعوة إلى تدخلات عاجلة لحماية الفئات المتأثرة ومنع المزيد من الإبعاد القسري.
  6. تقديم توصيات قابلة للتنفيذ للسلطات السودانية، وللمنظمات الدولية والإقليمية، من أجل وقف الترحيل القسري وضمان احترام الحقوق الأساسية للأجانب.
  7. دعم جهود المناصرة القانونية والحقوقية القائمة على الأدلة، وبناء أرضية صلبة للمساءلة المستقبلية عن هذه الانتهاكات

 

منهجية التوثيق والتحليل

استند هذا التقرير إلى منهجية متعددة المصادر، تجمع بين البحث الميداني والتحليل الحقوقي، وشملت ما يلي:

  • شهادات مباشرة ومقابلات نوعية مع لاجئين ومهاجرين متأثرين، أُجريت عبر وسطاء ميدانيين أو عبر الهاتف خلال الفترة من مايو إلى يوليو 2025.
  • مراجعة وثائق رسمية صادرة عن السلطات السودانية بشأن سياسات الهجرة والإقامة والإبعاد القسري، إلى جانب ملفات قضائية ذات صلة.
  • تحليل محتوى من مصادر مفتوحة، بما في ذلك تغطيات إعلامية موثوقة وشهادات منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي تم التحقق من مصداقيتها.

تم تحليل جميع البيانات من منظور قانوني وحقوقي، مع الالتزام الصارم بمعايير النزاهة والتوثيق الأخلاقي، وضمان السرية الكاملة لهويات الشهود والمصادر لحمايتهم من أي أذى محتمل.

 

النطاق الزمني والجغرافي

يغطي هذا التقرير الفترة الممتدة من 15 أبريل 2023، تاريخ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، وحتى 30 يوليو 2025، مع التركيز على القرارات الصادرة منذ مارس2025 بحق الاجانب. كما يتناول السياقات المتغيرة في سياسات الدولة تجاه الأجانب ما قبل و بعد الحرب الحالية .

أما من حيث النطاق الجغرافي، فيركّز التقرير بشكل أساسي على العاصمة الخرطوم، وولايات الجزيرة، حيث سجلت حالات واسعة من الانتهاكات بحق اللاجئين والمهاجرين.

 

الخلفية التاريخية

منذ استقلال السودان عام 1956، شكّل موقعه الجغرافي وتنوعه الإثني بيئة جذب لحركة تنقلات إقليمية واسعة، حيث مثّل نقطة عبور واستقرار للاجئين من إثيوبيا، إريتريا، أوغندا، ودول أخرى، خاصة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بفعل النزاعات المسلحة والمجاعات. وقد استقبل السودان حينها مئات الآلاف من اللاجئين، مستندًا إلى اتفاقية 1951 وبروتوكول 1967، واتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969.

رغم هذا الدور، لم تُطوّر الدولة سياسات لجوء متماسكة، بل شهدت فترات من التسييس والاستغلال الأمني لملف اللاجئين، خاصة خلال فترات الحكم العسكري، وفي التسعينيات تحت نظام البشير، حين أصبح ملف الأجانب أداة تفاوض وضغط سياسي. اتسعت الحملات الأمنية ضد بعض الجاليات، بالتوازي مع التمييز القانوني والاستغلال الاقتصادي، وحرمان الغالبية من الوثائق القانونية.

مع مطلع الألفية، تصاعدت الهجرة غير النظامية عبر السودان، وتحول إلى ممر أساسي لمهاجرين نحو أوروبا، ما أثار اهتمامًا أوروبيًا أدى إلى سياسات تعاون أمني، لا سيما بعد “عملية الخرطوم” (2015). ورغم الدعم الدولي الذي حصل عليه السودان لضبط الهجرة، ساهمت تلك السياسات فعليًا في تمكين الأجهزة الأمنية، ومنحتها أدوات لقمع الأجانب بدلاً من حمايتهم، وسط إفلات متزايد من العقاب.

في السنوات الأخيرة قبيل اندلاع حرب أبريل 2023، أصبح الخطاب العام تجاه الأجانب أكثر عدائية، وارتبط وجودهم بالأزمة الاقتصادية والانفلات الأمني. وبدأت تظهر حملات إعلامية وأمنية تروّج لربط الأجانب بالجريمة أو تهديد السيادة، ما شكّل أرضية خصبة لتصاعد التمييز والعنف المؤسسي.

 

السياق – حرب 15 أبريل وتحولات سياسات الدولة تجاه الأجانب

أدى اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 إلى انهيار شامل في مؤسسات الدولة، وتحوّل البلاد إلى بيئة شديدة الخطورة على اللاجئين والمهاجرين والأجانب عمومًا. وقد سُجّل تدهور بالغ في النظامين القضائي والإداري، ما فتح المجال أمام ممارسات قمعية وانتهاكات جسيمة.

في غياب رقابة قضائية ومؤسسية، قامت جهات أمنية وعسكرية، بالإضافة إلى وزارة الداخلية، بتكثيف حملات الاعتقال والاحتجاز العشوائي والترحيل القسري. تم تفعيل قوانين ومحاكم كانت ملغاة أو معطّلة، مثل محاكم النظام العام، لمحاكمة الأجانب بتهم التزوير أو انتهاء الإقامة، في ظل حرمانهم من الضمانات القانونية الأساسية.

أُعيد بعض الأجانب قسرًا إلى السودان بعد رفض دول ثالثة استقبالهم، بينما سُجّلت حالات تسليم تعسفي لأجانب إلى بلدانهم رغم المخاطر التي تهدد حياتهم، في خرق صارخ لمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي. اللافت أن هذه الممارسات لم تعد محصورة في أجهزة الدولة الرسمية، بل امتدت إلى سلطات الأمر الواقع، وميليشيات، وشبكات غير رسمية، ما زاد من خطورة الأوضاع.

كما انعكست هذه السياسات داخليًا وخارجيًا؛ ففي الداخل، أصبح الأجانب من أكثر الفئات هشاشة، وفي الخارج، تعرّض سودانيون في دول الجوار، خصوصًا جنوب السودان وأوغندا، لمضايقات ومعاملة انتقامية على خلفية ما يحدث في السودان.

هذه التحولات تعكس ليس فقط أزمة قانونية، بل جزءًا من إعادة إنتاج السلطة والهويات في السودان ما بعد الحرب، حيث يغيب الإطار الدستوري، وتتداخل صلاحيات الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتُستخدم ملفات الأجانب كأدوات للضبط الاجتماعي والسياسي

 

الأساس القانوني

يخضع تعامل السودان مع الأجانب، بمن فيهم اللاجئون والمهاجرون وطالبو اللجوء، لمنظومة قانونية متعددة المستويات تشمل القانون الوطني، والمعايير الدولية، والاتفاقيات الإقليمية. هذه المنظومة تُلزم الدولة بتوفير الحماية، وضمان عدم التعرض للإعادة القسرية، والمعاملة الإنسانية، والإجراءات القانونية السليمة، خاصة في ظل النزاع المسلح المستمر منذ أبريل 2023.

  1. القانون الوطني
  • الوثيقة الدستورية (2019)
    • رغم تعطيلها، لا تزال مرجعًا هامًا في الحقوق؛ المواد 7 و27 تضمن احترام حقوق الإنسان لجميع الأفراد، بمن فيهم الأجانب.
  • قانون تنظيم اللجوء (1974)
    • يمنح مفوضية اللاجئين سلطات لحماية اللاجئين، ويمنع الطرد غير القانوني.
  • قانون الجوازات والهجرة (1994)
    • ينظم إقامة الأجانب وشروط الإبعاد القانونية، ويشترط إجراءات تراعي حق التظلم.
  • قانون الإجراءات الجنائية (1991)
    • ينظم ظروف الاحتجاز ويمنع الاعتقال التعسفي أو التعذيب.
  • القانون الجنائي
    • يُجرّم المعاملة المهينة والاحتجاز غير المشروع.
  1. القانون الدولي
  • اتفاقية اللاجئين (1951) والبروتوكول (1967)
    • تُلزم بعدم طرد أو إعادة أي شخص إلى بلد يواجه فيه خطرًا على حياته أو حريته (مبدأ عدم الإعادة القسرية).
  • اتفاقية مناهضة التعذيب (1984)
    • تحظر تسليم أو إعادة أي شخص إلى بلد يُرجّح فيه تعرضه للتعذيب. صدّق السودان عليها في 2021.
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)
    • يضمن الحق في الحياة، حرية التنقل، الحماية من الاحتجاز التعسفي والمحاكمة العادلة، وتنطبق بنوده على الجميع، مواطنين وأجانب.
  1. الالتزامات الإقليمية
  • اتفاقية كمبالا (2009)
    • رغم تركيزها على النازحين داخليًا، إلا أنها تشمل التزامات بحماية المتأثرين بالنزاعات، بما في ذلك الأجانب.
  • ميثاق الاتحاد الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (ميثاق بانجول)
    • يؤكد على حماية الكرامة الإنسانية ويحظر الطرد الجماعي للأجانب، ويكفل حرية التنقل واختيار مكان الإقامة

 

السياسات والممارسات الرسمية تجاه الأجانب

 

أولًا: قبل اندلاع الحرب – نهج متذبذب بين الاستيعاب والرقابة

شهدت سياسة السودان تجاه الأجانب، خصوصًا اللاجئين والمهاجرين غير السودانيين، تحولات متكررة قبل 15 أبريل 2023، نتيجة تغير الحكومات وتبدل أولويات الدولة. تاريخيًا، اتسمت هذه السياسة بمزيج من الالتزام الإنساني، والانخراط في الاتفاقيات الدولية، إلى جانب توظيف الوجود الأجنبي كأداة سياسية وأمنية.

خلال الفترة الانتقالية (2019–2021)، أعلنت الحكومة المدنية نيتها إصلاح قانون اللجوء وتنظيم أوضاع اللاجئين، خاصة من دول الجوار. لكن الممارسات على الأرض ظلّت تعاني من انتهاكات، أبرزها الاعتقالات التعسفية، ظروف الاحتجاز غير الملائمة، وصعوبات تسجيل اللاجئين لدى مفوضية اللاجئين وضعف إصدار الوثائق.

كما استُخدم قانون الهجرة والنظام العام لإجراء محاكمات سريعة، غالبًا دون توفير المساعدة القانونية، في بيئة قانونية مزدوجة لا تطبّق التزامات السودان الدولية فعليًا، ما ترك الأجانب عرضة للاستهداف والابتزاز.

 

ثانيًا: بعد اندلاع الحرب – عسكرة السياسة وتكثيف الاستهداف

مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبحت السياسة تجاه الأجانب أكثر عنفًا وتقلبًا، خاصة في المناطق الخاضعة للحكومة. ارتبط الوجود الأجنبي، لا سيما لمن يحملون سمات عرقية معينة أو جنسيات من دول الجوار، باتهامات أمنية غير مثبتة.

  1. القرارات الإدارية:

في يناير 2024، أصدرت وزارة الداخلية قرارًا يشترط تحديث بطاقات اللجوء لاستمرار الإقامة، ما عرّض الآلاف للملاحقة بسبب عدم استيفاء الإجراءات.

  1. حملات الاعتقال:

نُفّذت مداهمات واعتقالات عشوائية شملت الأسواق ومراكز العمل، تخللتها انتهاكات مثل الضرب والإهانات العنصرية والابتزاز المالي. لم يُسمح لكثير من المعتقلين بالتواصل مع محامين أو ذويهم، وتعرض بعضهم للترحيل دون إجراءات قانونية واضحة.

  1. الطرد القسري:

تصاعدت عمليات الترحيل، خصوصًا إلى جنوب السودان، شملت مرضى ونساء وأطفال، دون منحهم فرصة للطعن أو إعادة طلب اللجوء.

  1. المحاكمات:

استُخدمت نيابات ومحاكم مثل نيابة المطار ومحاكم النظام العام سابقًا لإصدار أحكام سريعة، غالبًا دون تمثيل قانوني، في خرق صريح لمعايير العدالة.

  1. دور الأجهزة الأمنية:

رُصدت حالات ابتزاز عند الحواجز الأمنية وقيود على وصول الأجانب إلى خدمات الصحة والتعليم، ضمن سلوك ممنهج يقيد حركتهم ويعزلهم اجتماعيًا.

  1. الخطاب الرسمي والإعلامي:

أُنتج خطاب تعبوي يربط الأجانب بالتخابر والعمالة لقوات الدعم السريع، تغذيه وسائل إعلام موالية للجيش وأطراف من النظام السابق. اُستخدمت توصيفات مثل “الخلايا النائمة” و”المرتزقة”، مع استدعاء سرديات من النزاعات السابقة لتبرير الإقصاء.

وقد تجلّى هذا التوجه في تصريحات علنية من شخصيات عسكرية وإعلامية بارزة، أبرزها تصريحات نضال عثمان، مستشارة لقائد قوات تمبور، التي وصفت الوجود الأجنبي بأنه “تلوث” واعتبرته خطرًا يجب التخلص منه. هذه التصريحات، التي جمعت بين العنصرية الصريحة والتحريض، لم تُقابل برفض رسمي، ما يشي بتواطؤ ضمني أو تبني كامل لهذا الخطاب في بعض مؤسسات الدولة.

 

الحملات الإعلامية وخطاب الكراهية

اعتمدت أطراف في الدولة، خصوصًا المرتبطة بالجيش والنظام السابق، على خطاب كراهية متصاعد يصوّر الأجانب كخطر أمني ووجودي. لم يقتصر ذلك على الإعلام الرسمي، بل امتد إلى المنصات الرقمية والتصريحات السياسية. وقد تحوّل هذا الخطاب تدريجيًا إلى ممارسات ممنهجة: تضييق إداري، طرد، وحرمان من الخدمات.

يتقاطع هذا النمط مع تجارب إقليمية خطيرة، حيث يُستخدم خطاب الكراهية لإعادة تعريف الهوية الوطنية، وتصوير “الآخر” كعدو داخلي. تغلغل هذا الخطاب في وعي بعض الشرائح المجتمعية، خاصة في ظل الأزمات المعيشية، يهدد بخلق بيئة خصبة للعنف الجماعي والانتقام الأهلي.

إن هذا التحريض لا يمثل فقط خطرًا على اللاجئين، بل يُقوض السلم الاجتماعي في السودان ويضع الدولة على مسار تصادمي مع التزاماتها الدولية، لا سيما اتفاقية اللاجئين لعام 1951. عليه، يصبح التوثيق المنهجي لهذه الحملات ومساءلة الفاعلين فيها أولوية ملحّة، لضمان الحماية، ومحاربة خطاب الكراهية، والدفع نحو بدائل إعلامية وقانونية تحترم التنوع والكرامة الإنسانية

 

الانتهاكات المرصودة

مع تدهور الوضع الأمني والإنساني في العاصمة السودانية الخرطوم خلال النصف الأول من عام 2025، تصاعدت السياسات الأمنية تجاه الوجود الأجنبي، وبدأت سلطات ولاية الخرطوم في تنفيذ خطة ترحيل قسري استهدفت مئات اللاجئين والمهاجرين، خصوصًا من الجنسيات الإثيوبية وجنوب السودان، في ظروف تفتقر للضمانات القانونية والإنسانية.

بداية العمليات الميدانية – مارس 2025

في 10 مارس 2025، أطلقت سلطات ولاية الخرطوم أولى حملات الترحيل الميداني، وبدأت بنقل أعداد من الإثيوبيين وأسرهم من أحياء الحلة الجديدة، القوز، والديم، إلى معسكرات مؤقتة في ولاية القضارف، شرق السودان، تمهيدًا لإعادتهم لاحقًا إلى منطقة القلابات الحدودية مع إثيوبيا. العملية جرت بإشراف معتمدية اللاجئين، ونُفذت عبر 10 حافلات مخصصة، دون سابق إنذار أو إشعار رسمي للمعنيين.

قال أحد المرحّلين، شاب إثيوبي في الثلاثينات من عمره:

“كنا نائمين عندما طرقوا الباب بعنف. قالوا إن لدينا دقيقة واحدة فقط لجمع أغراضنا. لم نُمنح فرصة لشرح شيء أو إظهار أي أوراق. كانت فوضى.”

تشير إفادات عديدة إلى أن العشرات نُقلوا قسرًا دون فحص وضعهم القانوني، رغم امتلاك بعضهم وثائق إقامة أو بطاقات لاجئ صادرة عن المفوضية السامية.

 

الإعلان الرسمي – مايو 2025

في 25 مايو 2025، عقد والي الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، اجتماعًا رسميًا مع لجنة ضبط الوجود الأجنبي، وممثلين عن معتمدية اللاجئين، وشرطة الأجانب، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين. أُعلن خلال الاجتماع عن بدء تنفيذ خطة لترحيل الأجانب “المخالفين” اعتبارًا من 29 مايو.

جاء هذا الإعلان على خلفية مزاعم غير موثقة تشير إلى ضلوع “أجانب مرتزقة”، خاصة من إثيوبيا وجنوب السودان، في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع خلال فترة سيطرتها على أجزاء من العاصمة. أفضت هذه المزاعم إلى خطاب رسمي وإعلامي يُحمّل الأجانب مسؤولية أمنية، ويبرر السياسات الترحيلية دون تمييز.

قالت إحدى السيدات الإثيوبيات من حي القوز:

“اتهمونا بأننا نقاتل مع قوات الدعم السريع. نحن بالكاد نملك طعامًا. لم يغادر زوجي البيت منذ عام بسبب الرعب.”

المرحلة الثانية – تنفيذ الترحيل الجماعي

في 29 مايو 2025، بدأت المرحلة الثانية من الخطة، حيث شرعت سلطات ولاية الخرطوم في تنفيذ عمليات حصر وتجميع موسعة شملت أحياء عديدة في المدينة، بالتوازي مع تنظيم قوافل ترحيل نحو ولايات حدودية مثل النيل الأبيض، القضارف، وكسلا.

أفاد أحد الشهود ممن تمكّن من الفرار من نقطة تجميع في حي الديم:

“كانوا ينادون على أسماء من قوائم، ولا نعرف من أين حصلوا عليها. من لم يكن لديه ورقة فورية يُقتاد فورًا. لكن حتى من لديه بطاقة، لا يُسمح له بالكلام.”

يُذكر أن جزءًا كبيرًا من اللاجئين لم يتمكنوا من تجديد وثائقهم أو استخراج بدل فاقد بسبب توقف مؤسسات الدولة، ومن ضمنها إدارة الجوازات، ومكاتب المفوضية، ومعتمدية اللاجئين، نتيجة الحرب والدمار.

 

الحملة الأخيرة – يوليو 2025

في 29 يوليو 2025، تم توثيق حملة ترحيل جديدة انطلقت من حي الديوم الشرقية. تم خلالها اقتياد عشرات من الإثيوبيين إلى مراكز تجميع ثم نقلهم إلى خارج البلاد دون اتباع أي إجراءات للطعن أو التحقق من وضعهم، ودون إشعار المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

ذكرت إحدى النساء اللواتي فُصلن عن أزواجهن أثناء الحملة:

“أخذوا زوجي وابني الأكبر، ولم يُخبرونا إلى أين. حاولنا الوصول للمفوضية لكن مكاتبها مغلقة. لم يكن هناك من نلجأ إليه.”

توثيق الحالات

وفق ما تم رصده وتوثيقه ميدانيًا، بلغ عدد الأفراد الذين خضعوا لعمليات ترحيل قسري خلال الفترة من مارس إلى يوليو 2025 ما لا يقل عن 502 شخصًا، جميعهم من الجنسية الإثيوبية. توزعت الحالات على عدة أحياء بالعاصمة، وشملت أفرادًا يحملون وثائق قانونية، إضافة إلى آخرين فقدوا أوراقهم بفعل الحرب والتهجير.

قال أحد الشباب المرحّلين، ممن أعيد قسرًا إلى إثيوبيا:

“حين وصلنا إلى الحدود، تركونا تحت الشمس مع جنود لا نعرفهم. لم يكن هناك أي مسؤول سوداني معنا. فقط حافلات أنزلتنا ومضت.

 

التوصيات

أولًا: على السلطات السودانية

  • التوقف الفوري عن جميع عمليات الترحيل القسري والاحتجاز التعسفي المبني على الهوية أو الجنسية.
  • مراجعة السياسات والإجراءات المتبعة منذ اندلاع الحرب، وضمان توافقها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
  • توفير مسارات قانونية واضحة للطعن في قرارات الترحيل أو الاحتجاز، وضمان حق الأفراد في التمثيل القانوني.
  • ضمان وصول الأجانب، خصوصًا اللاجئين وطالبي اللجوء، إلى المساعدات القانونية، وممثلي مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دون قيود.

ثانيًا: على المنظمات الدولية

  • تعزيز آليات الرصد والتوثيق العلني لانتهاكات حقوق الأجانب في السودان، وتقديم تقارير دورية مستقلة.
  • الضغط على السلطات السودانية لاعتماد آليات شفافة للمساءلة، وضمان محاسبة الجهات المتورطة في الانتهاكات.
  • تقديم الدعم القانوني والإغاثي العاجل للضحايا، خصوصًا الفئات الأكثر عرضة للخطر مثل الإريتريين والإثيوبيين.
  • دعوة الدول المضيفة للاجئين السودانيين إلى تجنب استخدام ملف الأجانب في السودان كأداة للضغط أو الانتقام، والامتناع عن سياسات “المعاملة بالمثل”، وتقديم الدعم الإنساني دون شروط سياسية.

ثالثًا: على المجتمع المدني المحلي والدولي

  • تكثيف عمليات التوثيق والرصد الميداني لانتهاكات حقوق الأجانب في السودان.
  • الانخراط الفعّال في جهود الضغط الحقوقي والقانوني على المستويين الإقليمي والدولي.
  • إطلاق حملات إعلامية تسلط الضوء على الانتهاكات الجارية، وتدعو إلى فتح تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عنها أمام القانون.

 

 

Share the Post:

التقارير المتعلقة