ثلاث محطات في الجحيم
معتقلو الدعم السريع بين كاب الجداد وطيبة الحسناب وسوبا
مقدمة
يوثق هذا التقرير الصادر عن مرصد كادن لحقوق الإنسان معاناة مجموعة من المدنيين الذين تنقلوا قسرًا بين 3 مراكز احتجاز تابعة لقوات الدعم السريع في ولايتي الجزيرة والخرطوم خلال النصف الأخير من عام 2024. تبدأ القصة من قرية السريحة شمال ولاية الجزيرة، عقب هجوم دموي نفذته قوات الدعم السريع بقيادة القائد الميداني المعروف باسم عمر شارون، وأسفر عن مقتل وإصابة المئات واعتقال ما لا يقل عن 150 شخصًا.
أُنجز هذا التقرير بعد انسحاب قوات الدعم السريع من ولاية الجزيرة وعودة الجيش السوداني للسيطرة على المنطقة في مطلع عام 2025، الأمر الذي أتاح لفريق مرصد كادن الوصول إلى القرى المتضررة وإجراء مقابلات مباشرة مع الضحايا والناجين من الاعتقال، فضلًا عن جمع وثائق طبية وميدانية لتحديد مواقع المراكز التي استخدمت كمقار احتجاز. استند التحقيق إلى شهادات 3 ناجين من الاعتقال، إضافة إلى روايات متقاطعة من سكان محليين، وتم حجب الأسماء والاكتفاء باستخدام أحرف مختصرة لأسباب أمنية.
جاء هذا الهجوم في سياقٍ أوسع من الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهي حرب اندلعت في أبريل 2023 وأدت إلى انهيار مؤسسات الدولة وتفكك الأجهزة الأمنية، وامتداد رقعة النزاع إلى ولايات جديدة. خلال النصف الثاني من عام 2024، سعت قوات الدعم السريع إلى توسيع نطاق سيطرتها في وسط السودان، بما في ذلك شمال ولاية الجزيرة، في محاولة لتأمين خطوط الإمداد جنوب العاصمة الخرطوم وقطع طرق الإمداد عن الجيش. وفي المقابل، أطلق الجيش حملة تعبئة عامة ودعوات لتسليح المدنيين لمقاومة الدعم السريع ومنعه من التقدم.
هذا التصعيد خلق بيئة متوترة اتسمت بانعدام الثقة وارتفاع وتيرة العنف ضد المدنيين. ومع ازدياد عمليات الدعم السريع ضد القرى التي يُشتبه بتعاطفها مع الجيش، برزت أنماط من العقاب الجماعي والهجمات الانتقامية ضد السكان المحليين. وقد برر القائد الميداني عمر شارون هجومه على قرية السريحة بأن “الأهالي مسلحون ويقاومون قواته”، مؤكدًا أن الهدف هو “إخضاعهم بالقوة”. لكن الأدلة التي جمعها مرصد كادن تظهر أن هذه المبررات كانت واهية لتبرير انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين طرفين مسلحين لا يعبآن بحياتهم ولا بحماية حقوقهم الأساسية.
في صباح الجمعة 25 أكتوبر 2024، شنّت قوات الدعم السريع هجومها على قرية السريحة، مستخدمة أسلحة ثقيلة من عيار 23 ومضادات طيران. استمر القصف والاقتحام أكثر من 6 ساعات، وأسفر عن 124 قتيلًا على الأقل واعتقال 150 شخصًا، بينهم نساء ومسنون. اقتيد المعتقلون سيرًا على الأقدام نحو كاب الجداد في ظروف مهينة، قبل أن يُنقلوا لاحقًا إلى معسكر طيبة الحساناب ثم سجن سوبا في الخرطوم.
تُظهر الشهادات والتحقيقات أن ما جرى لم يكن حادثًا منفردًا، بل جزءًا من نمطٍ ممنهج اتبعته قوات الدعم السريع خلال فترة سيطرتها على ولاية الجزيرة، وشمل القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، والاحتجاز التعسفي، والحرمان المتعمد من الغذاء والرعاية الطبية. ويخلص التقرير إلى أن هذه الانتهاكات تمت بإشراف مباشر من قيادات ميدانية في قوات الدعم السريع، وعلى رأسهم عمر شارون ومعاونه المعروف باسم قجة، ما يجعلها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقًا للقانون الدولي الإنساني.
كاب الجداد .. بداية الاعتقال والتعذيب
كانت كاب الجداد أولى المحطات التي نُقل إليها المعتقلون بعد الهجوم على قرية السريحة. تقع المنطقة على الطريق الترابي الرابط بين الكاملين والحصاحيصا، وهي مساحة زراعية منخفضة تحيط بها الحقول والقرى الصغيرة، استخدمتها قوات الدعم السريع خلال فترة سيطرتها على ولاية الجزيرة كموقع مؤقت لتجميع المعتقلين والمدنيين الذين تم القبض عليهم أثناء عمليات المداهمة. بعد انسحاب القوات من المنطقة، تمكّن فريق مرصد كادن لحقوق الإنسان من الوصول إلى الموقع في فبراير 2025، حيث عُثر على بقايا من خيام محترقة وأرضيات معدنية استخدمت كغرف احتجاز بدائية، بالإضافة إلى أدوات حديدية وعصيّ غليظة وجِرار مياه مكسورة، وكلها تشير إلى أن المكان كان يُدار كموقع ميداني للاحتجاز المؤقت والتعذيب.
أفاد الشاهد م.ع، وهو مزارع في الأربعين من عمره، أنه اعتُقل مع مجموعة تضم أكثر من ثلاثين شخصًا من أبناء قريته بعد انتهاء الهجوم مباشرة، حيث جرى تقييد أيديهم بأسلاك كهربائية ودُفعوا للسير على الأقدام لمسافة تجاوزت عشرة كيلومترات. يقول: “كنا نسير حفاة، وكل من يتأخر يُضرب بالعصي أو بأعقاب البنادق، بعضنا سقط من الإعياء ولم نره بعد ذلك. وصلنا إلى مكان فيه خيام وجِرار ماء، وهناك أمرونا بالجلوس على الأرض تحت الشمس طوال اليوم دون طعام أو شراب”، مضيفًا أن الجنود أطلقوا عليهم أوصافًا عنصرية وأجبروهم على ترديد شعارات تأييد للدعم السريع.
تتطابق رواية م.ع مع شهادة الشاهد س.ح، وهو شاب في العشرينات أصيب في ساقه أثناء الاعتقال، حيث ذكر أن الجنود استخدموا الضرب الممنهج وسيلة لانتزاع الاعترافات، متهمين المحتجزين بإيواء مقاتلين من الجيش داخل القرية. يقول س.ح: “كانوا يضربوننا بأسلاك الكهرباء ويقولون إننا نحمي عساكر الجيش. كانوا يسألون عن أسماء معينة لا نعرفها، وإذا لم نجب كانوا يعلقوننا في شجرة قريبة ويضربوننا بالسياط حتى نفقد الوعي. في إحدى المرات، رأيت رجلًا يُضرب حتى الموت لأنهم قالوا إنه يخفي سلاحًا في بيته”، مشيرًا إلى أن الجثث كانت تُترك في العراء حتى المساء ثم تُنقل في عربة صغيرة خارج الموقع.
بحسب تحليل فريق المرصد، كان مركز كاب الجداد يؤدي دور “نقطة فرز” للمعتقلين، حيث يُقرر المشرفون الميدانيون مصير كل مجموعة: فإما يُفرج عنهم بعد أيام من الاحتجاز، أو يُنقلون إلى مواقع أكثر سرية لإكمال التحقيق والتعذيب. وأفاد أحد الشهود أن ضابطًا ميدانيًا يُعرف باسم قجة كان يشرف شخصيًا على عمليات النقل ويصدر الأوامر بتجميع المعتقلين في مجموعات من عشرة إلى خمسة عشر شخصًا. يقول الشاهد ع.ر: “جاء قجة في اليوم الثالث ومعه عربة لاندكروزر عليها مدفع دوشكا، قال لنا إننا سنذهب إلى مكان أفضل. كنا نعتقد أنهم سيطلقون سراحنا، لكنهم وضعونا في العربة وضربونا بالعصي طوال الطريق حتى وصلنا إلى معسكر طيبة الحساناب”.
تُظهر نتائج التحقيق أن الظروف المعيشية في كاب الجداد كانت بالغة القسوة. لم يكن هناك مأوى كافٍ أو مرافق صحية، وكان المعتقلون يُجبرون على قضاء حاجاتهم في العراء، ويُمنع عنهم الماء في أوقات طويلة من النهار كوسيلة إذلال. كما وثّق فريق المرصد آثار دماء جافة على جدران إحدى الغرف المعدنية التي استخدمت للحبس الانفرادي، إلى جانب أدوات بدائية يُرجّح أنها استُخدمت في التعذيب، مثل أسلاك وأسياخ حديدية.
خلص المرصد إلى أن مركز كاب الجداد لم يكن موقعًا عشوائيًا أو مؤقتًا كما حاول بعض قادة الدعم السريع تبريره لاحقًا، بل كان نقطة احتجاز منظمة تعمل بتنسيق مباشر مع قيادة ميدانية عليا. وأكدت الشهادات أن كل ما جرى هناك تم في ظل غياب كامل لأي إشراف قضائي أو إداري، وأن المعتقلين لم يُسمح لهم بالتواصل مع أسرهم أو الحصول على رعاية طبية، مما يجعل ما حدث في كاب الجداد جريمة احتجاز وتعذيب جماعي وفقًا للقانون الدولي الإنساني
طيبة الحسناب .. تحويل المدنيين إلى أسرى حرب
بعد نحو عشر ساعات من السير المتقطع والترحيل القسري، وصلت المجموعة التي نُقلت من كاب الجداد إلى معسكر طيبة الحسناب الواقع في محلية جبل أولياء جنوب الخرطوم. كان ذلك في الساعات الأولى من صباح السبت 26 أكتوبر 2024، بعد يوم واحد فقط من الهجوم على السريحة. المعسكر، الذي كان في الأصل موقعًا تدريبياً سابقًا للشرطة الاحتياطية، تحول بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى واحد من أكبر مواقع تمركز الأخيرة في ولاية الخرطوم. ومع اتساع رقعة الحرب وتزايد الاعتقالات العشوائية، استُخدم المعسكر كموقع مزدوج، يجمع بين تخزين العتاد الحربي واحتجاز المدنيين الذين يُشتبه في معارضتهم أو تعاونهم مع الجيش.
ووفقًا لشهادة الشاهد م.ع، فإن لحظة الوصول إلى بوابة المعسكر كانت صادمة: “أنزلونا من الدفار، كنا مقيدين ومضروبين ومتسخين من الغبار، وقفنا صف طويل عند المدخل وكان في مجموعة من الجنود بيسخروا منا ويضحكوا. قال لينا واحد منهم: (أها يا ناس الجيش، دي نهاية شجاعتكم). بعد داك رمونا في ساحة فاضية وقالوا لينا نقعد على الأرض، وأي زول يتحرك يضربوه بالسوط”، مشيرًا إلى أن بعض المحتجزين كانوا مصابين بجروح مفتوحة، لكن لم يُسمح لأي منهم بتلقي علاج.
الموقع الذي استخدم كمعتقل كان في جزء جانبي من المعسكر عبارة عن مدرسة قديمة ذات فصول متداعية، أُغلقت نوافذها بألواح من الصفيح. حسب إفادة الشاهد س.ح، تم احتجاز المجموعة داخل فصل ضيق لا تتجاوز مساحته خمسين مترًا مربعًا، وضم ما لا يقل عن ستين شخصًا. يقول: “كان الهواء خانق، والريحة لا تطاق، بعض الناس فقدوا الوعي. في الليل ما كان في نوم، لأن الحراس كانوا بيجوا كل شوية يضربوا الناس بدون سبب، بس عشان يسمعوا الصراخ”.
بعد يوم واحد من وصولهم، بدأت مرحلة التحقيق. كان الهدف المعلن هو “التأكد من ارتباطهم بالقوات المسلحة أو تسليحهم من الأهالي”، وهي التهمة التي استخدمتها قوات الدعم السريع لتبرير احتجاز عشرات المدنيين في تلك الفترة، ضمن سياق أوسع من محاولاتها إخماد أي مقاومة محلية في مناطق نفوذها. أشار الشاهد ع.ر إلى أن عمليات التحقيق كانت تتم داخل غرفة منفصلة في نهاية الممر، حيث يُستدعى كل معتقل على حدة ويُسأل عن أسماء “المسلحين” في منطقته، وأي علاقة تربطه بالجيش. “كانوا بيدخلونا غرفة مظلمة، في ثلاثة أفراد ماسكين سياط وأسلاك، وأي سؤال ما تجاوب عليه، الضرب بيبدأ فورًا. في واحد منهم كان يرش علينا موية وبعدها يضربنا بالكهربا عشان الألم يكون مضاعف”.
تزامنت هذه الشهادات مع ما وثّقه فريق المرصد من خلال مصادر طبية ومدنية في المنطقة، حيث أكد طبيب متعاون في مستشفى جبل أولياء أنه استقبل خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر ثلاثة جثامين قادمة من طيبة الحساناب، عليها آثار تعذيب واضحة وكسور في الجمجمة والأضلاع. ورغم محاولات قوات الدعم السريع إخفاء الحادثة، فقد تسرّبت صور من داخل المستشفى تُظهر إصابات تتطابق مع الأوصاف التي وردت في شهادات الناجين.
في اليوم الثالث من الاحتجاز، جرى عزل مجموعة من الأطفال والفتيان صغار السن في غرفة منفردة، بعد أن اتُّهموا بالمشاركة في مقاومة الهجوم على السريحة. يقول الشاهد م.ع إن الأطفال كانوا يُجلدون يوميًا لإجبارهم على الاعتراف بأسماء أقاربهم الذين يملكون أسلحة. أحد هؤلاء الأطفال، تحت التعذيب الشديد، أشار إلى شخص من المعتقلين بأنه يمتلك بندقية صيد، فتم إخراجه فورًا إلى ساحة مفتوحة وضربه حتى فقد وعيه. ويضيف الشاهد: “كنا بنسمع صوته وهو بيصرخ، وبعد فترة سكت، وبعدها شلّوه وما شفناه تاني. اليوم التاني عرفنا إنه مات”.
تُظهر المعلومات التي جمعها المرصد أن معسكر طيبة الحساناب لم يكن مجرد معتقل عشوائي بل مركز احتجاز مركزي تابع لقيادة الدعم السريع في الخرطوم، ويخضع لإشراف مباشر من ضباط استخبارات ميدانيين. تم استخدامه لاحتجاز الأسرى من القوات المسلحة والمدنيين المتهمين بمساعدتهم على حد سواء، وهو ما يجعل المعاملة التي تلقاها المدنيون فيه أقرب إلى معاملة أسرى الحرب، رغم أنهم لا ينتمون إلى أي تشكيل عسكري.
في 7 نوفمبر 2024، وبعد قرابة أسبوعين من الاحتجاز، تم تجميع دفعات من المعتقلين في ساحة ترابية داخل المعسكر بحضور شخص عرّف نفسه بأنه “مستشار قانوني” يدعى عبد الباسط. يقول الشاهد س.ح إن هذا الرجل أمرهم بالوقوف في صفوف متوازية، ثم بدأ في قراءة “أحكام” بالسجن المؤبد أو الانفرادي على بعض المعتقلين، دون أي تحقيق أو محكمة، فقط بناءً على ما وصفه بـ”التحقيقات الميدانية”. كانت تلك الأحكام شكلية، إذ نُقل جميع المحكومين لاحقًا إلى سجن سوبا الذي كان يخضع وقتها لسيطرة قوات الدعم السريع.
تؤكد الأدلة التي جمعها مرصد كادن لحقوق الإنسان أن الانتهاكات في معسكر طيبة الحسناب شملت القتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب الممنهج، والحرمان من الغذاء والرعاية الصحية، بالإضافة إلى احتجاز قُصّر واستخدامهم في التحقيقات بالإكراه. وتشير المعطيات إلى أن تلك الانتهاكات جرت تحت إشراف قيادات ميدانية في الدعم السريع، ضمن نمط متكرر من الانتهاكات في مواقع أخرى خضعت لسيطرتهم خلال الحرب، ما يعزز الطابع الممنهج والمنظم لتلك الجرائم .
سوبا .. الموت البطيء في قلب الخرطوم
في مساء يوم 7 نوفمبر 2024، نُقلت مجموعة من المعتقلين الذين أمضوا قرابة أسبوعين في معسكر طيبة الحساناب إلى سجن سوبا جنوب شرق الخرطوم، بعد صدور ما سُمّيت “أحكامًا ميدانية” بحقهم. كانت الرحلة التي استمرت أكثر من ثلاث ساعات في شاحنة عسكرية مغطاة بالقماش إحدى أشد المراحل قسوة في مسار احتجازهم، إذ ظلّ المعتقلون مكبّلي الأيدي ومكمّمي الأفواه، بينما كانت العربة تتوقف مرارًا عند نقاط تفتيش تابعة لقوات الدعم السريع. أحد الشهود، م.ع، قال إنهم لم يُقدَّم لهم أي ماء أو طعام طوال الطريق، وإن بعض المصابين فقدوا وعيهم داخل الشاحنة بسبب النزف والإعياء.
عند الوصول إلى المدخل الغربي للسجن، واجهت المجموعة مشكلة غير متوقعة؛ إذ رفض الحراس في البداية إدخالهم، بدعوى غياب “استمارة القبول”، وهو إجراء إداري فرضته قيادة الدعم السريع لتنظيم دخول المحتجزين الجدد. تمّ اقتياد الشاحنة إلى منطقة الرياض بالخرطوم لإحضار الاستمارة من إحدى الوحدات الميدانية، قبل إعادتهم إلى السجن عند منتصف الليل. يقول الشاهد س.ح: “كنا منهكين، ولما دخلونا السجن رمونا في زنازين ضيقة من غير فراش ولا غطاء، وكان في ريحة كريهة قوية. في الصباح جابوا لينا وجبة واحدة، صحن فول لخمس أشخاص، وأي زول يتكلم أو يطلب زيادة بيتعرض للضرب بالعصا”.
كان سجن سوبا في ذلك الوقت أحد أهم مواقع السيطرة الميدانية لقوات الدعم السريع في الخرطوم، بعد انسحاب القوات الحكومية من المنطقة. ووفق ما وثّقه مرصد كادن لحقوق الإنسان من شهادات ومصادر محلية، تحوّل السجن من منشأة عقابية رسمية إلى معتقل ميداني ضخم تُحتجز فيه أعداد كبيرة من المدنيين والعسكريين الأسرى، دون أي إجراءات قانونية أو إشراف قضائي. وبحسب تقديرات موظف سابق في إدارة السجون، بلغ عدد المحتجزين في نوفمبر 2024 نحو 1,800 شخص، في حين أن الطاقة الاستيعابية الفعلية للسجن لا تتجاوز 600 شخص.
يصف الشاهد ع.ر الوضع داخل الزنازين بأنه “جحيم صامت”، إذ كان العنبر الواحد يضم أكثر من 180 شخصًا متلاصقين على أرض إسمنتية باردة. لم يكن هناك ما يكفي من الماء أو الطعام، وكانت الكهرباء تُقطع لساعات طويلة، فيما يزداد الهواء ثقلاً بسبب الروائح المنبعثة من العرق والفضلات. يقول: “كنا بنشرب موية الحمامات لما تنقطع الموية الصالحة، بعض الناس مرضوا بالإسهالات وبدأت العدوى تنتشر بسرعة. بعد أسبوع تقريبًا ظهرت حالات تقيؤ شديد وحمى، وقالوا لينا إنها كوليرا. كل يوم كنا نصحى نلقى في زول مات بالليل”.
تؤكد الشهادات الميدانية والمعلومات التي جمعها المرصد من مصادر طبية في مستشفى بشائر جنوب الخرطوم، أن مرض الكوليرا تفشّى في سجن سوبا خلال الأسبوعين الأخيرين من نوفمبر 2024، نتيجة التلوث الحاد للمياه وسوء الصرف الصحي. وبحسب شهادات سجناء سابقين، كان عناصر الدعم السريع يتعاملون بلامبالاة مع المصابين، بل ويستخدمون المرض كوسيلة إذلال، حيث يُجبر المرضى على تنظيف الممرات وهم في حالة إعياء. أشار الشاهد م.ع إلى أنه رأى بنفسه ما لا يقل عن عشرة من رفاقه من أبناء السريحة يفارقون الحياة خلال أسبوع واحد، بعد أن مُنعوا من تلقي أي علاج: “كانوا بيقولوا لينا: الموت أرحم منكم. كانوا بيشيلوا الجثث في الليل في عربات دفار ويخرجوها برة السجن، وما كنا نعرف وين بيدفنوهم”.
إلى جانب تفشي الأمراض، كانت ممارسات التعذيب والضرب الممنهج جزءًا من الحياة اليومية داخل السجن. استخدم الحراس العصي والسياط وأسلاك الكهرباء، وأحيانًا الأدوات المعدنية، في ضرب المعتقلين لأتفه الأسباب. بعض الناجين أفادوا بأنهم كانوا يُجبرون على الركوع لساعات طويلة أو الوقوف تحت الشمس دون حراك كنوع من “العقاب التأديبي”. يقول س.ح: “كل يوم في المساء بيدخلوا الحراس العنبر ومعاهم سياط طويلة، بيضربوا أي زول في طريقهم. مرات بيطلبوا من بعض المعتقلين يغنوا أو يرقصوا، والما يقدر ينفذ الأوامر بيتعرض لضرب مبرح”.
من ناحية أخرى، توصل المرصد إلى أن إدارة المعتقل كانت تُمارس نوعًا من الابتزاز المالي مقابل الإفراج. فبعد تدهور الأوضاع الصحية وتزايد الوفيات، بدأت قيادة الدعم السريع في نوفمبر بعرض “الحرية مقابل المال”، خاصة على المعتقلين القادمين من مناطق الجزيرة. ووفق شهادة ع.ر، جرى التواصل مع بعض أسر المعتقلين عبر وسطاء محليين لجمع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراح أبنائهم. تم تنفيذ هذه العملية في منطقة عد حسين جنوب الخرطوم، التي كانت تُستخدم كمنطقة عبور للمفرج عنهم. يقول: “بعد ثلاثة شهور في سوبا قالوا لينا في مجموعة حتطلع. ودونا عد حسين، وقعدنا هناك حوالي ثلاثة أسابيع. بعد ما وصلت مبالغ الفدية أطلقوا سراحنا واحد واحد، والما عنده قروش ظل هناك أو رجعوه للسجن”.
بحسب تقييم مرصد كادن لحقوق الإنسان، فإن ما جرى في سجن سوبا يُمثل ذروة الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون في سياق الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. فقد تضافرت أنماط التعذيب، وسوء المعاملة، والإهمال المتعمد، والحرمان من الغذاء والرعاية الصحية، لتشكّل عملية قتل بطيء وممنهج. وتشير الأدلة الميدانية إلى أن هذه الممارسات تمت بعلم وإشراف قيادات ميدانية في الدعم السريع، وعلى رأسهم القائد المعروف باسم عمر شارون ومعاونه قجة، المسؤولين المباشرين عن حملة الاعتقالات التي بدأت في السريحة وانتهت في سوبا.
تخلص نتائج التحقيق إلى أن الانتهاكات المرتكبة في سجن سوبا تُعد جرائم ضد الإنسانية وفقًا للقانون الدولي، نظرًا لطابعها الواسع والممنهج، واستهدافها فئة من المدنيين على أساس الانتماء الجغرافي أو الاشتباه السياسي. ويطالب مرصد كادن لحقوق الإنسان بفتح تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات التي جرت في مراكز الاحتجاز التابعة لقوات الدعم السريع، وضمان محاسبة المسؤولين عنها وعدم إفلاتهم من العقاب
الاستنتاجات والتوصيات
أولًا: الاستنتاجات
- سياق الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في السودان أفرز بيئة من الإفلات من العقاب والانتهاكات الواسعة بحق المدنيين، خصوصًا في المناطق التي شهدت تنازع السيطرة الميدانية مثل ولاية الجزيرة والخرطوم.
- الهجوم على قرية السريحة وما تلاه من عمليات اعتقال تعسفي ونقل قسري إلى معسكر طيبة الحسناب ثم سجن سوبا، يمثل سلسلة مترابطة من الجرائم التي تنطوي على انتهاك جسيم للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك القتل العمد، والمعاملة القاسية، والإخفاء القسري.
- المبررات التي قدّمتها قيادة الدعم السريع لتبرير تلك العمليات – بزعم وجود مقاومة مسلحة من الأهالي – لا تستند إلى أي أساس قانوني، وتُعد محاولة لإضفاء شرعية على عقاب جماعي استهدف السكان المدنيين على خلفية الاشتباه في دعمهم للجيش.
- تشير الشهادات الميدانية والأدلة التي جمعها مرصد كادن إلى أن معسكر طيبة الحسناب وسجن سوبا كانا يُداران تحت إشراف مباشر من قيادات ميدانية في الدعم السريع، بما يجعل تلك القيادات مسؤولة مسؤولية جنائية مباشرة وغير مباشرة عن الانتهاكات التي ارتُكبت فيهما.
- ظروف الاحتجاز اللاإنسانية، وانتشار الأمراض، والحرمان من العلاج والطعام والماء، إضافةً إلى ممارسات التعذيب والابتزاز المالي، تشكّل مجتمعةً جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب وفقًا لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
- الحكومة السودانية، بوصفها السلطة الرسمية للدولة، تتحمل مسؤولية قانونية في تقصيرها عن حماية المدنيين وعدم اتخاذها تدابير فعّالة لوقف تلك الجرائم أو التحقيق فيها خلال فترة سيطرة الدعم السريع على المنطقة.
ثانيًا: التوصيات
إلى الحكومة السودانية
- فتح تحقيق جنائي شامل ومستقل في الانتهاكات التي وقعت في معسكر طيبة الحسناب وسجن سوبا، وضمان الوصول الكامل للضحايا والشهود إلى آليات العدالة.
- توثيق أماكن المقابر الجماعية المحتملة في محيط السجن والمناطق الجنوبية للخرطوم، بالتعاون مع الجهات الدولية المختصة.
- ضمان عدم إعادة استخدام سجن سوبا كمركز احتجاز خارج الرقابة القضائية، وإعادة تأهيله وفق المعايير الوطنية والدولية.
إلى قوات الدعم السريع
- وقف جميع عمليات الاعتقال التعسفي والاحتجاز غير القانوني، والإفراج الفوري عن أي مدنيين ما زالوا محتجزين خارج سلطة القضاء.
- تسليم المسؤولين عن الانتهاكات في معسكرات الاحتجاز إلى العدالة، وعلى رأسهم القادة الميدانيون الذين شاركوا أو أشرفوا على تلك العمليات.
- التعاون مع المنظمات الوطنية والدولية لتحديد هوية المفقودين والمختفين قسريًا.
إلى المجتمع الدولي
- إنشاء آلية دولية خاصة لرصد وتوثيق الانتهاكات في السودان، وتقديم نتائجها إلى مجلس حقوق الإنسان ومكتب الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية.
- فرض عقوبات فردية على القيادات العسكرية والمدنية التي تتورط في الانتهاكات الجسيمة أو تعرقل العدالة.
- دعم برامج إعادة التأهيل النفسي والطبي والاجتماعي للناجين من الاحتجاز التعسفي والتعذيب.
إلى منظمات المجتمع المدني السودانية
- مواصلة توثيق الشهادات والقصص الفردية للضحايا والناجين بطريقة آمنة تحفظ الأدلة.
- التنسيق مع المنظمات الإقليمية والدولية لتقوية مسار العدالة الانتقالية وضمان مشاركة الضحايا في عمليات المساءلة.
- رفع الوعي المجتمعي بخطورة التطبيع مع الانتهاكات التي ترتكبها أطراف النزاع، وتعزيز ثقافة المساءلة ورفض الإفلات من العقاب.



