الوضع الإنساني في مدينة بارا بعد انسحاب الجيش وسيطرة قوات الدعم السريع

EN: https://kedencentre.org/2025/11/22/humanitarian-situation-in-bara-city_en/
ولاية شمال كردفان

 

أسفرت الأحداث في مدينة بارا عن مقتل ما يُقدّر بالمئات من المدنيين وفق شهادات الناجين والمصادر المحلية، في حين تم توثيق الأسماء التي تمكن الفارّون إلى مدينة الأبيض من الإبلاغ عنها فقط. سجل مستشفى الأبيض أكثر من 150 حالة إصابة بعضها خطير، واستقبل مستشفى علويه يس 30 جريحًا إضافيًا. لا يزال ما لا يقل عن 80 شخصًا في عداد المفقودين إلى جانب 13 أسرة انقطع الاتصال بها تمامًا. وتشير تقديرات المنظمات المحلية إلى نزوح مئات الأسر إلى مدينة الأبيض والقرى المحيطة مثل أم لحم ومليحة ودبابيس وطويلة وسط أوضاع إنسانية بالغة القسوة ونقص حاد في الغذاء والدواء والمأوى.

 

 

شهدت مدينة بارا في 25 أكتوبر 2025 واحدة من أكثر اللحظات المأساوية منذ اندلاع الحرب في السودان حيث اندلعت اشتباكات عنيفة داخل المدينة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وسط الأحياء السكنية المكتظة بالسكان. لم تدم المعركة طويلًا، إذ انسحب الجيش بعد ساعات قليلة من القتال، لتصبح المدينة تحت السيطرة الكاملة لقوات الدعم السريع، وهو ما مثّل بداية سلسلة من الانتهاكات الواسعة ضد المدنيين. ما إن فرضت القوات سيطرتها حتى بدأت عمليات تمشيط داخل الأحياء، أطلقت خلالها النار بصورة عشوائية على المواطنين، وداهمت المنازل، ونفذت حملات اعتقال جماعي ونهب شامل للأسواق والمحال التجارية والمنازل، في ظل انقطاع كامل للاتصالات والإنترنت الذي جعل المدينة معزولة تمامًا عن العالم الخارجي.

 

روى شهود عيان أن القوات اقتحمت الأحياء السكنية وبدأت في إطلاق النار دون تمييز، مما أدى إلى مقتل عدد من الشباب الذين حاولوا الفرار إلى خارج المدينة. كما أكد نازحون وصلوا إلى الأبيض أن مشاهد الحرق والنهب كانت واسعة النطاق، إذ تم تدمير عشرات المنازل، وإضرام النيران في متاجر السوق الرئيسي، فيما اضطر آلاف السكان إلى الهرب سيرًا على الأقدام عبر الطرق الريفية نحو القرى المجاورة. وأفاد أحد الشهود بأن القوات أوقفت مجموعة من المدنيين كانوا يسيرون في اتجاه قرية أم لحم وقامت بتصفية 5 منهم ميدانيًا من بينهم شقيقه، فيما ذكر آخر أن 10 أشخاص قُتلوا داخل صيوان عزاء في وسط المدينة في حادثة هزّت المجتمع المحلي وأظهرت القسوة المفرطة التي مورست ضد السكان العزّل.

 

كما طالت الاعتقالات عددًا كبيرًا من المواطنين الذين اقتيدوا من منازلهم تحت ذريعة انتمائهم للاستخبارات العسكرية. تمركزت عمليات الاعتقال في الحي الشرقي وحي السوق والحي الغربي، حيث جرى احتجاز عدد من الشبان واقتيادهم إلى وجهات غير معلومة، في حين وردت شهادات من مناطق قريبة من قرية شرشار تفيد بوقوع تصفيات ميدانية أخرى نفذتها عناصر من الدعم السريع في محيط المدينة.

 

أسفرت تلك الأحداث عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، وتشير التقديرات الميدانية إلى أن عدد القتلى بالمئات، لكن الظروف الأمنية المعقدة والاستهداف الممنهج للمدنيين حال دون التمكن من حصر الأرقام بدقة، إذ تم توثيق الأسماء التي تمكن الناجون من إيصالها بعد فرارهم إلى مدينة الأبيض فقط. ومن بين الضحايا المعروفين عماد الماحي معرو، أبوالغيث إسماعيل آدم حسن، نزار مصباح محمد إبراهيم، محمد أمين آدم حسن (تروبر)، مكي أحمد مكي أحمد معروف، محمد إبراهيم بشير الجوكلي، محمد حماد أبوحميد، خالد حامد بشير الشايب، محمد أحمد محمد إسماعيل الباقر، وعمر بشير سليمان، إضافة إلى عشرات الأسماء التي لم يتم التحقق من مصيرها حتى الآن.

 

في مدينة الأبيض، استقبل المستشفى الرئيسي أكثر من 150 جريحًا، بعضهم في حالة حرجة، من بينهم العم إبراهيم الذي أصيب بطلق ناري تحت الأذن، والسيدة حليمة محمد علي التي أصيبت في صدرها، بينما استقبل مستشفى علويه يس 30 مصابًا إضافيًا وفق إفادة أحد الأطباء الذين باشروا الحالات. وبينما نُقل بعض الجرحى إلى مستشفيات أخرى في شمال كردفان، توفي عدد منهم متأثرين بجراحهم قبل وصولهم إلى وجهتهم بسبب انعدام وسائل النقل والإسعاف.

 

أما المفقودون، فتشير التقديرات الأولية إلى أن عددهم لا يقل عن 80 شخصًا، إضافة إلى 13 أسرة فُقد الاتصال بها منذ يوم الهجوم، بينهم نساء وأطفال وشيوخ. وتشمل القوائم الموثقة أسماء أسر بأكملها من أحياء بارا المختلفة، مثل أسرة أبوبكر علي العبيد، وأحمد التجاني حماد، وخنساء حامد يس وأطفالها، والحافظ أحمد البشير وأسرته، وأسرة أحمد محمد جمعة، إلى جانب عشرات الحالات الأخرى التي لا يزال البحث عنها جاريًا في القرى والطرق المحيطة بالمدينة. وقد أشار شهود من المنطقة إلى العثور على جثث مدفونة في مواقع متفرقة قرب الطريق المؤدي إلى أم لحم، يُعتقد أنها تعود لمدنيين قُتلوا أثناء محاولتهم الفرار.

 

نزحت أعداد كبيرة من سكان المدينة بعد الهجوم، حيث خرجت الأسر في مجموعات صغيرة سيرًا على الأقدام تحت القصف، متجهة نحو القرى القريبة مثل مليحة ودبابيس وطويلة وأم لحم. وقد أفاد أحد الناجين أنهم وصلوا إلى قرية أم لحم في حالة إنسانية بالغة السوء بعد أن تم نهب كل ما يملكونه، وأن بعضهم واصل السير نحو مدينة الأبيض في اليوم التالي بحثًا عن الأمان. مع استمرار النزوح، تحولت القرى المجاورة إلى مناطق مكتظة بالنازحين تفتقر لأبسط مقومات الحياة، إذ لا تتوفر مياه صالحة للشرب أو مواد غذائية كافية، فيما تقيم الأسر في العراء دون مأوى أو مساعدات إنسانية.

 

وبحلول 27 أكتوبر 2025، كانت مدينة بارا شبه خالية من الوجود العسكري للطرفين، لكنها غارقة في حالة من الخوف والترقب. الشوارع مهجورة، الأسواق مدمرة، والمؤسسات الحكومية مغلقة فيما يلتزم من تبقى من السكان منازلهم خشية تجدد الاشتباكات أو تنفيذ عمليات انتقامية. القرى المحيطة تشهد حركة نزوح مستمرة نحو الأبيض وسط نقص حاد في المواد الأساسية وانعدام الخدمات الصحية، بينما يعجز كثيرون عن الوصول إلى المدينة بسبب إغلاق الطرق والمخاطر الأمنية.

 

الأحداث التي شهدتها بارا تركت أثرًا عميقًا على المدينة وسكانها فقد تفككت الحياة الاجتماعية، وانهارت الأسواق والمرافق العامة، وارتفعت معدلات النزوح والاختفاء والقتل إلى مستويات غير مسبوقة. تعيش المدينة اليوم فراغًا أمنيًا كاملاً بعد انسحاب الطرفين، مما يهدد بانفلات خطير قد يقود إلى أعمال انتقام محلية أو مواجهات جديدة بين المجموعات المسلحة. في الوقت ذاته، تزداد معاناة النازحين في الأبيض والمناطق الريفية بسبب شح الغذاء والمياه وغياب المساعدات.

Share the Post:

التقارير المتعلقة