شهدت مدينة الأبيض خلال شهر نوفمبر 2025 موجة غير مسبوقة من الاعتقالات التي نفذتها الخلية الأمنية التابعة لجهاز الأمن والمخابرات في ظل تدهور أمني واسع وانتشار البلاغات ذات الطابع السياسي وقد كان لافتًا التركيز المكثف على استهداف النساء الشابات بين 17 و20 عامًا إذ بلغ عدد المعتقلات 56 امرأة وهو العدد الأعلى منذ اندلاع الحرب وجاءت هذه الاعتقالات في مدينة تخضع لسيطرة الجيش وتشرف فيها الأجهزة الأمنية على إدارة الوضع الميداني والقضائي مما جعل النساء في قلب دائرة الاشتباه والقمع بدل أن يكنّ في حماية القانون تراوحت الاتهامات الموجهة إليهن بين التعاون المزعوم مع قوات الدعم السريع وتهم جنائية إضافية طالت 9 منهن بينما خضعت بعضهن لمحاكمات سريعة وغير عادلة في حين تنتظر أخريات جلسات محاكمة تتسم بالبطء والانحياز وغياب الضمانات وهو ما عمّق حالة الخوف وسط النساء النازحات والوافدات إلى المدينة
أوضاع النساء المعتقلات ونماذج القضايا
وتكشفت شهادات محامين ومعتقلات سابقات عن ظروف احتجاز قاسية داخل مقار الخلية الأمنية والسجون حيث تتعرض النساء للتحرش والاستغلال الجنسي من طرفي النزاع إلى جانب الضرب والإهانة أثناء التحقيق خصوصًا حين ترفض المعتقلة الامتثال لضغوط وابتزاز الضباط كما أكدت الشهادات حرمان كثير من المعتقلات من الزيارة أو التواصل مع أسرهن في سياق من العزلة وغياب الشفافية يزيد من هشاشة وضعهن النفسي والاجتماعي كما تظهر نماذج القضايا الفردية حجم الانتهاكات ومدى هشاشة الإجراءات المتهمة (م.ع) تعرضت للاستغلال الجنسي من أحد أفراد الدعم السريع وهي قاصر حملت ثم تزوجها المعتدي الذي قُتل لاحقًا حُوكمت بالجلد والغرامة وهي لم تبلغ 19 عامًا بعد فصلت السلطات طفلتها منها وهي بعمر 6 أشهر وبقيت في السجن حتى تكفل متبرعون بسداد الغرامة المتهمة (ز.ع) قُبض عليها بسبب الاشتباه عند وصولها إلى الأبيض استرجعت الخلية الصور المحذوفة من هاتفها منذ 2018 وبعد التحقيق تحرش بها أحد الضباط وحين قاومت قام بضربها حتى النزف المتهمة (م.ص.ح) الشاكي جهاز الأمن تواجه مواد 50 و51 و65 و186 لا تزال قيد المحاكمة المتهمة (ف.ه.أ) الشاكي الخلية الأمنية تواجه نفس المواد 50 و51 و65 و186 لا تزال قيد النظر المتهمة (ك.ح.م) قبض عليها بسبب رسائل غرامية مع شاب اتهموه بأنه دعامي تواجه مواد 50 و51 و65 و186 المتهمة (م.م) الشاكي الخلية الأمنية المواد 50 و51 و65 و186 لا تزال في الحبس هذه الحالات تشير إلى تسييس واضح للبلاغات الجنائية وتحويل علاقات شخصية أو صور قديمة أو رسائل هاتفية إلى أدلة على التعاون
نظام الرشاوي ( الدرونات)
برز نظام الرشاوى المعروف محليًا باسم الدرونات وهو آلية يتم عبرها دفع مبالغ كبيرة لأفراد في الخلية الأمنية أو جهاز الأمن مقابل الإفراج أو تخفيف التهم عبر وسيطين معروفين في المدينة حيث تراوحت المبالغ بين 15 و20 مليون جنيه سوداني أي ما يعادل بين 5000 و6667 دولارًا أمريكيًا واتسع نطاق هذه الممارسات ليشمل حتى بعض المحامين المحسوبين على النظام السابق حين طالت الاعتقالات أقاربهم مما خلق سوقًا سوداء للحرية عززت من تآكل الثقة في القضاء ومنحت عناصر الخلية الأمنية نفوذًا مباشرًا على مصائر المعتقلات
وتأتي هذه الاعتقالات في سياق اجتماعي ونفسي شديد القسوة إذ وصلت غالبية النساء الموقوفات إلى الأبيض هربًا من الحرب والدمار في غبيش وأم صميمة وأم عردة بحثًا عن ملاذ آمن لكنهن وجدن أنفسهن وسط منظومة قمعية تُدار داخل مدينة يسيطر عليها الجيش حيث تعمل الخلية الأمنية بنفوذ واسع دون رقابة فعلية كثير من هؤلاء النساء فقدن أسرهن وتعرضن للتشرد وأصبحن أكثر عرضة للاستغلال الجنسي والابتزاز والعنف فاختلطت معاناتهن مع الحرب بمعاناة جديدة داخل المكان الذي اعتقدن أنه سيكون أكثر أمنًا
إن اعتقال 56 امرأة خلال شهر واحد وما رُصد من استغلال جنسي وتحقيقات تعسفية ورشاوى ومحاكمات غير عادلة يعكس تصاعدًا خطيرًا في استهداف النساء داخل الأبيض ويكشف كيف تحوّل القانون في مدينة خاضعة لسيطرة الجيش إلى أداة للضغط بدل الحماية كما يظهر تغوّل الخلية الأمنية على مسار العدالة عبر نفوذها على القضاء وتهديدها للمحامين وإضعافها لإجراءات التقاضي مما جعل النساء النازحات في وضع بالغ الهشاشة داخل بيئة إنسانية متصدعة وفي هذا السياق يتضح أن هذا الاستهداف لم يكن مجرد تجاوزات منفصلة بل يمثل وسيلة ممنهجة لإخضاع النساء والمجتمع عبر أدوات سياسية وأمنية وقضائية حيث يجري استخدام مؤسسات الدولة العدلية ومواردها ضمن سياق الصراع بين الجيش والدعم السريع بما يجعل النساء حلقة أضعف يُطبّق عليها هذا النهج بهدف فرض السيطرة وتقييد الحركة داخل المدينة وهكذا تبدو المرأة التي نجت من الحرب ووصلت إلى الأبيض وكأنها تعبر من منطقة الخطر الأولى إلى دائرة أوسع من الخوف والعنف داخل مدينة يسيطر عليها الجيش وتتمدد فيها سلطة الخلية الأمنية دون رادع بينما يستمر غياب آليات المساءلة كعامل رئيسي يسمح باستمرار الانتهاكات واتساعها
اعتمد هذا التقرير على مقابلات وإفادات مباشرة من محامين ومدافعين عن حقوق الإنسان في مدينة الأبيض مراجعة بلاغات جنائية مسجلة في نيابة ومحكمة الأبيض شهادات من أسر معتقلات وشهود عيان متابعة مستمرة لنشاط الخلية الأمنية داخل المدينة خلال شهر نوفمبر 2025



