صوت آمن – حسابات تحت المجهر – ديسمبر

EN: https://kedencentre.org/2025/12/26/safe-voice-accounts-under-the-microscope-december-en/

Introduction

“من الرصد إلى قراءة الذاكرة الرقمية للكراهية”

تكشف نتائج الرصد لشهر نوفمبر، التي شملت ثلاثين حسابًا على منصات إكس، فيسبوك، وتيكتوك، أن خطاب الكراهية في الفضاء السوداني لم يعد يُقاس بكمية المحتوى المنشور خلال فترة محددة، بل بقدرته على الاستمرار عبر الزمن وإعادة التوليد. فالمواد التي خضعت للتحليل في هذه الإصدارة تنتمي في معظمها إلى فترات زمنية ماضية، لكنها ظلّت فاعلة ومؤثرة بفعل إعادة النشر والتداول المستمر، ما يجعل الكراهية الرقمية ظاهرة تتجاوز اللحظة إلى ما يمكن تسميته بـ “ذاكرة الخطاب العدائي”.

لقد أظهر تحليل البيانات أن المحتوى العدائي لم يختفِ بانقضاء سياقه الزمني، بل تحوّل إلى مخزون رمزي يُستدعى كلما تجددت الأزمات السياسية أو العسكرية. فالتغريدة القديمة تُستعاد في لحظة غضب جديدة، والمقطع المصوّر الذي وُظف في سياقٍ جهويّ قبل عام، يُعاد نشره اليوم بنفس الشحنة العدائية، وإن كان المعنى الظاهري قد تغيّر. بهذا الشكل، تتحول المنصات إلى أرشيف ديناميكي للعنف اللفظي يعيد تدوير الكراهية بدل أن يُضعفها.

توضح هذه الإصدارة أن فهم خطاب الكراهية اليوم يتطلب الانتقال من تحليل “المنشور” إلى تحليل “الزمن”، ومن تتبّع الكلمة إلى تتبّع عمرها ومسارها التداولي. إذ لم يعد المؤشر الأساسي هو عدد المنشورات أو حدّتها، بل مدى قدرتها على النجاة من الزمن الرقمي والتجدد في سياقات جديدة.

كما تكشف المقارنة بين المنصات الثلاث أن الزمن الرقمي للكراهية غير متكافئ:

ففي تيك توك، يتجدد الخطاب العدائي عبر المقاطع المعاد دمجها والريمكسات الصوتية التي تُضفي على المحتوى القديم مظهراً حديثًا.

أما فيسبوك، فيُعيد تدوير المنشورات الجدلية القديمة في شكل نقاشات جماعية جديدة.

بينما يعمل إكس كمستودع للأرشيف السياسي للعداء، تُستعاد منه التغريدات كلما تصاعد حدث أو أزمة.

بناءً على ذلك، يركّز هذا العدد من حسابات تحت المجهر على تحليل ديناميات الزمن في خطاب الكراهية: كيف يعيش المحتوى العدائي بعد زمنه، وكيف تتغيّر دلالاته حين يُعاد نشره في لحظات مختلفة، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل الخطاب الرقمي في السودان.

إن ما نرصده اليوم ليس مجرد كراهية تُقال، بل كراهية تتذكّر وتُعيد إنتاج نفسها، تعيش بين الأزمنة وتغيّر وجوهها مع كل إعادة نشر.

المنهجية

“زمنان للخطاب… وزمن واحد للتحليل”

اعتمد فريق برنامج صوت آمن في إعداد إصدارة ديسمبر من نشرة حسابات تحت المجهر على منهجٍ تحليلي مزدوج يجمع بين الرصد الكمي للمحتوى العدائي والتحليل النوعي للسياقات الزمنية والرمزية، بهدف تتبّع استمرارية خطاب الكراهية عبر فترات زمنية مختلفة، وفهم كيف يعاد إنتاجه في سياقات جديدة.

تغطي هذه الإصدارة نتائج الرقابة التي أُجريت خلال شهر نوفمبر 2025، على عينة تضم ثلاثين حسابًا نشطًا موزعة على ثلاث منصات رئيسية:

  • 14 حسابًا على تيك توك
  • 8 حسابات على فيسبوك
  • 8 حسابات على إكس

غير أن المحتوى الذي جرى تحليله لا يقتصر على ما نُشر في نوفمبر، بل يمتد إلى فترات زمنية ماضية؛ إذ شمل منشورات ومقاطع مصوّرة أُعيد تداولها أو تفاعل المستخدمون معها مؤخرًا، ما أتاح تتبّع تطوّر الخطاب عبر الزمن وتحليل الذاكرة الرقمية للكراهية.

أولاً: جمع البيانات

تمت عملية الرصد باستخدام أدوات رقمية للرصد المنهجي وحفظ البيانات، مع الالتزام الصارم بمعايير الخصوصية وأخلاقيات البحث. شملت عملية الجمع:

  1. توثيق المنشورات والمقاطع الأكثر تكرارًا أو إعادة تداول.
  2. تحديد الفترات الأصلية لنشر المحتوى ومقارنة زمن النشر بزمن التفاعل الأخير.
  3. ترميز المحتوى بحسب نوع الخطاب (عرقي، سياسي، أو خطير) وطبيعة اللغة (صريحة، رمزية، ساخرة).

ثانيًا: التحليل الكمي

استند التحليل الكمي إلى قياس مؤشرات الأداء الرقمي للمحتوى العدائي، وتشمل:

  • عدد المنشورات العدائية من إجمالي المحتوى المنشور في كل حساب.
  • معدلات التفاعل (تعليقات، إعجابات، مشاركات) خلال فترة المراقبة.
  • نسبة المحتوى المُعاد تداوله من فترات سابقة.
  • التوزيع المنصاتي للخطاب العدائي ومؤشراته الزمنية.

أُدخلت هذه البيانات في جداول تحليلية مخصصة لتقدير حجم التداول الزمني للكراهية وتحديد المنصات الأكثر تساهلًا في إعادة نشر المحتوى التحريضي.

ثالثًا: التحليل النوعي

اعتمد الفريق في الجانب النوعي على تحليل المضمون والسياق اللغوي والسيميائي، مع التركيز على ثلاثة مستويات:

  1. الزمن: دراسة الفروق بين زمن النشر الأصلي وزمن إعادة التداول، وتأثيرها في المعنى والدلالة.
  2. الرمز والخطاب: تحليل المفردات، الشعارات، والرموز الثقافية التي تمنح الخطاب العدائي طابعه المتجدد.
  3. التحولات الأسلوبية: تتبع كيف انتقلت اللغة من الصراحة إلى التلميح، ومن الشتيمة المباشرة إلى السخرية المبطنة.

هذا التحليل النوعي أتاح فهم كيفية تحوّل الكراهية من ظاهرة لغوية آنية إلى بنية سردية ممتدة تستدعي نفسها عبر الزمن.

رابعًا: التحقق والمراجعة

خضع كل محتوى تم تحليله إلى مراجعة جماعية داخل فريق البحث، لضمان دقة التصنيف ومصداقية التفسير، مع مقارنته بنتائج إصدارة نوفمبر السابقة. كما جرى اعتماد مبدأ “المطابقة الزمنية” بين البيانات الرقمية والنصية للتحقق من صحة سياق النشر، بما يمنع الخلط بين المحتوى الأصيل والمُعاد تدويره.

خامسًا: الهدف من المنهج

يهدف هذا المنهج إلى تجاوز الرصد اللحظي نحو تحليل البنية الزمنية والرمزية لخطاب الكراهية، أي فهم كيف يُعاد إنتاج الكراهية لا بوصفها حدثًا مؤقتًا، بل كمسارٍ اتصاليٍّ متجدد تتفاعل فيه اللغة مع الذاكرة والخوارزمية والجمهور عبر الزمن.

الاتجاهات الخطابية عبر الزمن

“من الكراهية الصريحة إلى الرمزية المتجددة”

أظهرت نتائج التحليل الزمني أن خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني لم يعد حدثًا متقطعًا، بل منظومة سردية متواصلة تتكيّف مع تغير الأحداث وتعيد إنتاج نفسها عبر الزمن والمنصات. فالمحتوى القديم لا يموت، بل يستعاد ويتحوّل ليواكب المزاج السياسي والاجتماعي الراهن. يتجلّى ذلك في مجموعة من التحولات الخطابية التي تعبّر عن انتقال الكراهية من الصراحة إلى التمويه، ومن الهجوم المباشر إلى بناء سرديات رمزية أعمق أثرًا.

أولاً: التحريض المؤرشف – الكراهية التي لا تموت

أحد أبرز الاتجاهات يتمثل في عودة المحتوى القديم إلى التداول بعد فترات طويلة من نشره، خصوصًا في لحظات التصعيد الميداني أو التوتر السياسي. فالمقاطع والتغريدات التي نُشرت قبل عام أو أكثر أعيد نشرها وكأنها جديدة، لتُستخدم كأدلة أو شعارات تعبئة. هذه الظاهرة حوّلت المنصات إلى “مخازن للعداء”، تعمل فيها خوارزميات تيك توك وفيسبوك على إنعاش الذاكرة الخطابية بدل إضعافها. وبذلك، أصبح الخطاب العدائي يتمتع بـ ديمومة زمنية تتجاوز الحدث، إذ يعيش ويُعاد تدويره كلما نشبت أزمة جديدة.

ثانيًا: الانتقال من الكراهية الصريحة إلى السخرية الرمزية

تبيّن أن الكثير من المنشورات التي أعيد تداولها خلال فترة المراقبة لم تكن ذات مضمون مباشر أو لغوي حاد، بل قدّمت الكراهية في قوالب ساخرة أو غنائية. في تيك توك، تحوّلت المقاطع الساخرة إلى وسيلة فعالة لتمرير الإهانة الجماعية تحت غطاء الفكاهة أو “الترفيه السياسي”. في فيسبوك، استُخدمت الكوميكس والصور الرمزية لتجسيد العداء العرقي أو السياسي بطريقة خفيفة لكنها محمّلة بالدلالات السلبية. أما في إكس، فقد أصبح التحليل السياسي المبطّن والسخرية السوداء الشكل الأكثر شيوعًا للخطاب التحريضي. هذا التحوّل يشير إلى ذكاء لغوي جديد في التعبير عن الكراهية، حيث يتم تمرير العنف الرمزي بطرق أكثر تقبّلًا اجتماعيًا وأصعب في الرصد.

ثالثًا: تبدّل صورة “العدو” عبر الزمن

تُظهر البيانات أن تعريف “العدو” في الخطاب العدائي لم يعد ثابتًا، بل تغيّر تبعًا لتحولات الصراع. في بدايات الحرب، كان العدو يُقدَّم في صورة جماعات سياسية (الكيزان – قحت). مع مرور الوقت، توسّع الخطاب ليشمل فئات جهوية أو عرقية، خصوصًا في منشورات دارفور وكردفان. وفي الآونة الأخيرة، ظهر شكل جديد من “العداء الرمزي” يستهدف فئات مهنية أو مدنية بوصفها “متخاذلة” أو “محايدة”. هذا التطور يعكس تحوّل الكراهية من العدو المحدّد إلى العدو المتخيّل — أي إلى نمط من التفكير الإقصائي الذي يعيد إنتاج نفسه في أي ظرف.

رابعًا: التمويه الديني والوطني للكراهية

برز اتجاه متزايد نحو استخدام الخطاب الديني والوطني كغطاء للتحريض. تُستخدم مفردات مثل “الجهاد”، “الشهادة”، “الدفاع عن العرض”، و“حب الوطن” لتبرير العنف اللفظي أو المادي ضد الخصوم. هذا النمط لا يُعلن الكراهية مباشرة، بل يقدّمها بوصفها “واجبًا أخلاقيًا”. وبهذا، تتحوّل اللغة الدينية إلى آلية لتجميل العنف، والرموز الوطنية إلى درعٍ أيديولوجي للكراهية.

خامسًا: تحوّل السردية من المواجهة إلى التبرير

تظهر في بعض الحسابات — خصوصًا في فيسبوك — منشورات تعبّر عن تحوّل الوعي من التحريض إلى التبرير. لم يعد الخطاب يركّز على “العداء الصريح”، بل على تبرير الكراهية بوصفها نتيجة “الخيانة”، أو “المظلومية التاريخية”، أو “الرد الطبيعي على الإهانة”. هذه اللغة تُظهر أن الخطاب العدائي بات أكثر تعقيدًا نفسياً وثقافيًا، إذ يمزج بين الضحية والجلاد في رواية واحدة.

سادسًا: استمرار الجغرافيا في إنتاج الكراهية

رغم التحولات الأسلوبية، ما يزال البعد الجهوي والعرقي يشكّل الثابت الأكثر رسوخًا في بنية الكراهية الرقمية. تُستخدم أسماء المناطق والقبائل بوصفها رموزًا للهوية أو الخيانة. وتُبنى الكثير من السرديات حول فكرة “استعادة الأرض” أو “تطهير المنطقة”. يوضح هذا الاتجاه أن الخرائط الذهنية للكراهية ما تزال تحكم الفضاء الرقمي السوداني، وإن تغيّرت مفرداتها وأقنعتها.

تُبرز هذه الاتجاهات أن خطاب الكراهية في السودان يعيش ضمن زمنٍ متعدّد الطبقات:

  • زمن النشر الأصلي،
  • زمن التداول المتجدد،
  • وزمن الذاكرة الجمعية التي تعيد استدعاء العداء كلما تغيّر الحدث.

بهذا المعنى، لم تعد الكراهية مجرّد خطابٍ آنٍ، بل أصبحت أرشيفًا عاطفيًا وسياسيًا متجدّدًا، يُعاد تدويره بطرق رمزية وسيميائية تحافظ على تأثيره وتزيد من عمقه الاجتماعي. إن فهم هذا الامتداد الزمني هو المفتاح لفهم طبيعة التحريض في السودان اليوم، حيث لا يولد خطاب الكراهية من الصراع فحسب، بل من ذاكرةٍ طويلةٍ لا تنسى.

استعراض الحسابات التي خضعت للمراجعة خلال شهر نوفمبر:

تك توك:

فيسبوك:

تويتر (إكس):

التحليل الكمي المقارن

“حين تصنع الأرقام خريطة الذاكرة الرقمية”

أظهرت المعالجة الإحصائية للبيانات المستخلصة من ثلاثين حسابًا تمّت مراقبتها خلال شهر نوفمبر 2025 أن خطاب الكراهية السوداني يتّسم بالاستمرارية أكثر من التجدد؛ إذ إن ما يزيد على نصف المحتوى العدائي المتداول خلال فترة الرصد كان منسوخًا أو معاد نشره من مواد سابقة، مما يؤكد فرضية “ذاكرة الكراهية” التي شكّلت محور هذه الإصدارة.

بلغ إجمالي المواد التي خضعت للتحليل أكثر من 420 منشورًا ومقطعًا مصورًا، موزعة بين المنصات الثلاث على النحو الآتي:

جدول رقم (1)

يتضح من الجدول أن منصة تيك توك ما تزال تمثّل البيئة الأكثر خصوبة لتداول الكراهية الرقمية، سواء من حيث الحجم أو سرعة الانتشار، بينما تميّزت منصة إكس بأعلى نسبة لإعادة تداول المحتوى القديم، مما يجعلها المنصة الأبرز في إحياء الخطاب المؤرشف وإعادة إدخاله في سياقات جديدة. أما فيسبوك فاحتفظ بدوره كمساحة للنقاشات الجماعية الطويلة، لكن مع تراجع في حدّة الخطاب مقارنة بالأشهر السابقة، لصالح لغة أكثر “تحليلية” وأقل مباشرة في التحريض.

1. معدلات التفاعل الرقمي

أظهرت البيانات أن المحتوى العدائي لا يحقق فقط انتشارًا مرتفعًا، بل يحصد كذلك تفاعلًا أكبر بنسبة 37% مقارنة بالمحتوى العادي، خصوصًا في تيك توك. مقاطع الكراهية القصيرة ذات الطابع الساخر كانت الأعلى تداولًا، بمعدل مشاركة يتراوح بين 2.5 إلى 3 أضعاف متوسط التفاعل العام. على إكس، حصدت التغريدات القديمة التي أُعيد نشرها تفاعلاتٍ جديدة بنسبة 20% من إجمالي التعليقات الحديثة، ما يعكس قوة تأثير “الزمن المؤجل”. في فيسبوك، لوحظ أن النقاشات تحت المنشورات القديمة المعاد مشاركتها شكّلت حوالي ثلث التفاعل الكلي، ما يدل على استمرار الخطاب رغم تقادم محتواه.

2. التوزيع الزمني للخطاب العدائي

تُظهر مقارنة التواريخ الأصلية للنشر مع مواعيد إعادة التفاعل أن الكراهية الرقمية تتجاوز حدود الزمن الخطي:

جدول رقم (2)

هذا التوزيع يبرهن أن الزمن لم يعد حاجزًا أمام إعادة إنتاج الخطاب العدائي؛ بل أصبح أداة لتكثيف أثره عبر الاستدعاء المستمر للماضي.

3. طبيعة المحتوى العدائي

عند تصنيف المواد العدائية بحسب نوعها، برز ما يلي:

جدول رقم (3)

يُظهر هذا التوزيع أن الخطاب السياسي والجهوي يظلّان المحركين الأساسيين للكراهية الرقمية، بينما يتراجع الخطاب “الخطير” المباشر نحو أشكال مموّهة وأكثر رمزية.

4. المقارنة مع إصدارة نوفمبر السابقة

  • نسبة المحتوى العدائي الإجمالي ارتفعت بنحو 8%، رغم أن غالبية المواد ليست جديدة.
  • نسبة المحتوى الصريح تراجعت من 58% إلى 46%، مقابل صعود واضح لخطاب السخرية والتحريض المقنّع.
  • معدلات إعادة التدوير (إعادة النشر أو الاقتباس) تضاعفت تقريبًا، خصوصًا في تيك توك وإكس.
  • كما ارتفع معدل ظهور المحتوى متعدد المنصات من 19% إلى 31%.

5. دلالات كمية

هذه الأرقام تكشف أن خطاب الكراهية في السودان أصبح نظامًا اتصالياً متكرراً أكثر من كونه رد فعل لحظي. فالمحتوى العدائي ينتقل بين المنصات ويُعاد تدويره وفق خوارزميات تفضّل “المثير والمستقطِب”، ما يمنحه حياة أطول وتأثيرًا أوسع. كما أن اتساع فجوة الزمن بين النشر الأول وإعادة التداول يعكس تراجع الرقابة الفعالة على المحتوى القديم، وارتفاع قدرة المستخدمين على استغلاله سياسيًا أو عاطفيًا في كل دورة من دورات الصراع.

يمكن القول إن خطاب الكراهية في السودان دخل مرحلة الانتشار المستدام:

  • لم يعد يُقاس بالكمّ فقط، بل بقدرته على البقاء والاستدعاء.
  • لم تعد المنصات مجرّد أدوات للنشر، بل حافظات رقمية للذاكرة العدائية.
  • الكراهية هنا ليست متجددة بقدر ما هي مستمرة ومتحوّلة، تنتقل من زمن إلى آخر كما تنتقل من حساب إلى آخر، محافظة على جذورها وإن غيّرت مظهرها.

الملاحظات النوعية

“كراهية تتقن البقاء: ملاحظات حول إعادة التدوير الخطابي”

من خلال التحليل النوعي للمحتوى الذي خضع للرقابة خلال شهر نوفمبر – والذي يغطي فترات زمنية تمتد من عام 2023 إلى 2025 – تبيّن أن خطاب الكراهية في الفضاء السوداني لم يعد مجرّد تعبيرٍ عن الغضب أو التحشيد اللحظي، بل أصبح ظاهرة لغوية وثقافية متجدّدة تعيد إنتاج نفسها عبر أدوات وأساليب جديدة. وفيما يلي أبرز الملاحظات النوعية التي عكست هذا التحول:

  1. إعادة التدوير بوصفها آلية تعبئة أظهرت المراقبة أن كثيرًا من الحسابات – خاصة على تيك توك وإكس – تمارس ما يمكن وصفه بـ “إعادة التدوير التحريضي”؛ إذ تُعاد نشر المقاطع والمنشورات القديمة في لحظات سياسية أو عسكرية متوترة لتستعيد أثرها التعبوي الأصلي. هذا السلوك يشير إلى وعيٍ استراتيجي باستخدام الذاكرة الرقمية، حيث يُوظَّف الماضي كمخزون تعبئة دائمة. بمعنى آخر، لم تعد الكراهية وليدة اللحظة، بل أصبحت “مستودعًا جاهزًا للاستخدام عند الطلب”.
  2. فقدان السياق الأصلي للمحتوى أبرزت التحليلات أن أغلب المنشورات المعاد تداولها تُقدَّم دون سياقها الزمني أو الواقعي الأصلي، مما يخلق تضليلًا في الذاكرة الجمعية. فمقاطع قديمة من مناطق نزاع سابقة تُنشر وكأنها أحداث جارية. وتغريدات تعود إلى مرحلة مختلفة تُستخدم كأدلة في نقاشات جديدة. نتيجة ذلك، تتحول الكراهية إلى خطاب بلا تاريخ، يفقد علاقته بالحدث لكنه يحتفظ بشحنته الانفعالية.
  3. تطبيع الإهانة وإعادة إنتاج المفردات العدائية لاحظ الفريق أن تكرار المفردات العدائية على مدى عامين تقريبًا جعل بعض العبارات جزءًا من اللغة اليومية للمستخدمين. ألفاظ مثل “العبيد”، “الكيزان”، “الجلابة”، و“الطابور الخامس” أصبحت تُستخدم بلا استغراب أو استهجان. هذا التطبيع اللغوي يجعل الكراهية أقلّ وعيًا وأكثر رسوخًا. فاللغة هنا لم تعد أداة للتعبير عن الكراهية فحسب، بل أصبحت مساحةً تعيد إنتاجها باستمرار.
  4. بروز “الكوميديا العدائية” تحوّل السخرية إلى وسيلة للتعبير عن الغضب والانقسام أحد أهم الملامح النوعية الجديدة. في تيك توك، يُقدَّم الخطاب العدائي في شكل مقاطع ساخرة أو رقصات رمزية توظّف الموسيقى الشعبية في الاستهزاء بالخصوم. وفي فيسبوك، تُستخدم النكات السياسية والصور الساخرة كبدائل لخطاب الكراهية المباشر. هذه الكوميديا تمنح الخطاب العدائي قبولًا اجتماعيًا واسعًا، لأنها تخفّف من حدته اللغوية دون أن تمس مضمونه التحريضي.
  5. الكراهية المقنَّعة بالتحليل السياسي برز اتجاه جديد نحو استخدام التحليل السياسي المضلل كقناع لغوي للكراهية. تُقدَّم آراء تبدو عقلانية لكنها مشحونة بلغة تمييزية تُقصي فئة أو جهة معينة. وغالبًا ما تُختتم بعبارات توحي بالموضوعية مثل “نقول الحق ولو على أنفسنا”، بينما تخفي خلفها تأطيرًا ممنهجًا للعداء. هذه الاستراتيجية تجعل الخطاب أكثر خطرًا لأنها تمنحه شرعية فكرية زائفة.
  6. ثبات رموز العداء وتحوّل أدواته رغم تغيّر الأساليب والوسائط، ظلّت الرموز والجهات المستهدفة بالكراهية ثابتة إلى حدٍّ كبير. فالخصوم السياسيون والجهات الجهوية نفسها التي كانت هدفًا في 2023 ما تزال محور الخطاب العدائي في نهاية 2025. لكن الأدوات تغيّرت: من المقالات والمنشورات الطويلة إلى المقاطع القصيرة والشعارات المختزلة. هذا الثبات في “منطق العداء” مقابل تطور أدواته يشير إلى تجذّر بنية الكراهية في الوعي الجمعي.
  7. ازدواجية الضحية والجاني في بعض المنشورات، ظهرت نبرة الندم أو التبرير، حيث يتحدث المستخدم بوصفه ضحيةً للظروف أو “ردًّا على الكراهية السابقة”. هذا النمط يُظهر أن الخطاب العدائي بات يحمل وعياً ذاتيًا مشوّشًا؛ إذ يبرّر العنف بوصفه دفاعًا عن الذات لا عدوانًا. بذلك، تصبح الكراهية حلقة مغلقة: كل طرف يرى نفسه الضحية، فيُنتج عداءً جديدًا لتبرير ماضيه.
  8. تنامي الخطاب الجهوي كهوية ثقافية رُصدت زيادة ملحوظة في استخدام الانتماء الجغرافي أو القبلي كأداة لبناء هوية رقمية. صفحات وشخصيات رقمية أصبحت تُعرّف نفسها بالمنطقة أو القبيلة قبل أي انتماء فكري أو سياسي. هذا الاتجاه يُعيد ترسيخ الانقسام الاجتماعي بوصفه “اختلافًا طبيعيًا”، وهو ما يجعله أكثر خطورة لأنه يضفي شرعية ثقافية على التمييز.

يمكن تلخيص النتائج في أن خطاب الكراهية السوداني لم يعد مجرّد تفاعلٍ لغوي، بل بنية اتصالية متكاملة تجمع بين الماضي والحاضر، والعاطفة والرمز، والضحك والعنف. الكراهية اليوم تتخفّى خلف السخرية والتحليل، وتُروّج عبر خوارزميات تُكافئ التكرار، مما يجعلها أكثر مرونة وانتشارًا من أي وقت مضى. إن أخطر ما في الكراهية الرقمية ليس حضورها، بل قدرتها على البقاء. فهي لا تختفي بزوال الحدث، بل تعيد تشكيل نفسها في كل زمنٍ بلغةٍ جديدة ووجهٍ مألوف.

المحور الخاص

“كيف تصنع المنصات ذاكرة الكراهية؟”

لم يعد خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني مجرد نتاج لمستخدِمين متحمّسين أو جماعات متصارعة؛ بل أصبح جزءًا من منظومة خوارزمية متكاملة تضمن بقاءه وتكثيف انتشاره. فالمنصات لم تعد حيادية كما كانت تُقدَّم، بل تطوّرت لتصبح عاملًا فاعلًا في بناء الذاكرة الرقمية للكراهية، من خلال آلياتها التقنية التي تُعيد تدوير المحتوى العدائي وتضخيمه على نحوٍ شبه تلقائي.

أولاً: الخوارزميات كذاكرة نشطة

تُظهر المراقبة المقارنة أن المنصات الثلاث (تيك توك – فيسبوك – إكس) تشترك في خاصية واحدة: كلّما زاد التفاعل مع المحتوى العدائي، زاد حضوره في واجهة العرض. في تيك توك، تعمل خوارزمية “For You” على دفع المقاطع المثيرة للانفعال — بغض النظر عن طبيعتها — إلى جمهور أوسع، مما يحوّل المحتوى العدائي إلى منتَج تفاعلي مربح. في فيسبوك، يؤدي نظام “اقتراح الصفحات المشابهة” إلى إعادة تدوير الخطاب العدائي عبر شبكات متقاطعة، فيتحول المنشور إلى سلسلة من الاستدعاءات المستمرة. أما إكس، فيُعيد إحياء التغريدات القديمة عبر خاصية “إعادة التغريد مع تعليق”، لتبدو كأنها نقاش جديد، بينما هي في الواقع إعادة بث لذاكرة قديمة.

هذه الآليات التقنية تجعل المنصات ليست فقط فضاءً للانتشار، بل آلية حفظ واسترجاع لخطاب الكراهية — أشبه بذاكرة جماعية خوارزمية لا تنسى شيئًا.

ثانيًا: اقتصاد الانتباه وتكثيف المحتوى العدائي

في عالم المنصات، الانتباه هو العملة الأهم. وكل ما يحفّز الغضب أو الاستقطاب يولّد تفاعلًا، وبالتالي أرباحًا. أظهرت البيانات أن المقاطع العدائية على تيك توك تحقق معدلات مشاهدة تفوق المحتوى العادي بثلاثة أضعاف. في المقابل، المحتوى الداعي للتعايش أو الحوار غالبًا ما يُهمّش أو لا يُوصى به من خوارزمية العرض. بهذا المعنى، تُسهم المنصات من حيث لا تعلن في تحويل الكراهية إلى موردٍ اقتصاديّ، إذ تضمن استمرارية التفاعل والوقت الذي يقضيه المستخدم أمام الشاشة.

ثالثًا: الذاكرة الانتقائية – حين تُنسى الحقيقة ويُستعاد الغضب

واحدة من أخطر خصائص المنصات هي قدرتها على استدعاء الغضب وتجاهل السياق. فعند إعادة نشر مقطع قديم، لا تُشير المنصة إلى تاريخه الأصلي أو خلفيته. وبهذا، يتفاعل المستخدمون معه كما لو أنه حدث جديد، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج المشاعر القديمة دون مراجعة أو وعي. هكذا تتحول المنصات إلى ذاكرة انتقائية لا تتذكّر الحقائق، لكنها تحفظ مشاعر الغضب والاستقطاب وتعيد ضخّها كلما خفتت.

رابعًا: من إدارة المحتوى إلى تشكيل السلوك

النتيجة الأعمق أن المنصات لم تعد فقط تنقل الخطاب العدائي، بل تشكّل طريقة التفكير والتفاعل معه. فهي تعلّم المستخدمين أن المحتوى المثير للغضب “يُكافأ بالوصول”. وتخلق بيئة تُعيد فيها الجماعات إنتاج ذاتها داخل “فقاعات هوية” مغلقة. كما تعيد صياغة السلوك اللغوي للمستخدمين، فيتكيّفون مع خوارزمية التفاعل بدلًا من معايير الحوار العقلاني.

وهكذا تتحوّل الكراهية من خطاب إلى سلوك تفاعلي مستدام، تُغذّيه المنصة وتكافئه ضمنيًا.

خامسًا: نحو وعي جديد بالبيئة الخوارزمية

يؤكد هذا التحليل أن معالجة خطاب الكراهية لم تعد مسؤولية الأفراد أو الدول فقط، بل باتت مرتبطة بإصلاح البنية التقنية نفسها. يجب أن تتحمل المنصات جزءًا من المسؤولية الأخلاقية في الإشارة إلى المحتوى القديم المعاد تداوله. وأن تُفعّل أدوات التحذير من “المواد التي تثير العنف أو الانقسام”. كما ينبغي دعم مبادرات التربية الإعلامية الرقمية التي تُعلّم المستخدمين كيفية قراءة الزمن والسياق في المحتوى المنشور.

إن المنصات الرقمية، بآلياتها المعقّدة وخوارزمياتها غير الشفافة، أصبحت بمثابة كاتبٍ خفيّ للتاريخ الرقمي للكراهية. فهي تحفظ ما يُقال، وتعيد تدويره، وتضخّمه، حتى يغدو جزءًا من الوعي الجمعي. ولذلك، لا يمكن مواجهة الكراهية الرقمية دون فهم كيف تعمل المنصات على إنتاجها واستدامتها. فالحرب على خطاب الكراهية ليست فقط معركة ضد الكلمات، بل ضد الآلة التي تكرّرها وتُنعشها كل يوم.

دراسة الحالة

“ثلاث منصات… ثلاث لغات للكراهية”

يقدّم هذا المحور ثلاث دراسات حالة مختارة من العيّنة التي خضعت للرقابة في نوفمبر، لتوضيح كيفية تجدّد خطاب الكراهية السوداني عبر الزمن والمنصات. تكشف هذه الحالات أن الكراهية ليست نوعًا واحدًا من الخطاب، بل شبكة من الأساليب والرموز التي تتخذ مظهرًا مختلفًا في كل بيئة رقمية.

أولاً: تيك توك – “الكوميديا التي تُخفي العداء”

وصف الحالة: من بين 14 حسابًا على تيك توك، برزت مجموعة من المقاطع التي تستخدم التمثيل الساخر والمزاح الشعبي كغطاء للتمييز الجهوي والعرقي. أحد المقاطع التي رُصدت (نُشر أصلاً في منتصف 2024 وأعيد تداوله في نوفمبر 2025) تُظهر شخصًا يؤدي رقصة ساخرة على أنغام موسيقى تراثية، بينما تترافق الكلمات مع إشارات سخرية من لهجة جماعة معينة ومن ملامحها الجسدية.

التحليل النوعي: رغم الشكل الكوميدي للمحتوى، إلا أن الرسالة الضمنية تحمل تمييزًا إثنيًا واضحًا. المقطع حقق أكثر من 120 ألف مشاهدة خلال فترة الرصد، معظمها نتيجة الإعادات والتعليقات الساخرة. يعكس هذا النمط انتقال الكراهية من الخطاب الصريح إلى التحريض المقنّع بالفكاهة. تيك توك يُظهر هنا كيف يمكن للمنصة أن تحوّل العنف الرمزي إلى منتَج ترفيهي ذي انتشار واسع.

الاستنتاج: يمثّل تيك توك فضاءً يتعايش فيه الترفيه والتحريض في قالب واحد، ما يجعل الكراهية أكثر قبولًا وأصعب في ضبطها.

“ضحكة واحدة قد تُخفي خطابًا كاملاً من التمييز.”

ثانيًا: فيسبوك – “الذاكرة الجهوية المفتوحة”

وصف الحالة: من بين الحسابات الثمانية على فيسبوك، لوحظت صفحة عامة تُعيد نشر مقاطع وصور من عام 2023 تخصّ مناطق النزاع في دارفور وكردفان، مع تعليقات جديدة تربطها بأحداث ديسمبر 2025. تفاعل المستخدمون مع هذه المنشورات وكأنها توثيق جديد، رغم أنها تعود لأكثر من عام ونصف.

التحليل النوعي: تُظهر الحالة كيف تساهم المنصة في خلط الأزمنة: فالماضي يبدو حاضرًا، والمحتوى المؤرشف يُستخدم كأداة تعبئة. 65% من التعليقات التي رُصدت تحمل عبارات تحريضية أو تبريرية للعنف، مما يؤكد أن غياب الإشارة إلى الزمن الأصلي يعيد إنتاج الغضب والعداء. كما أن المشاركة الجماعية وإعادة النشر المتكرر خلقت “سلسلة ذاكرة رقمية” جديدة تُعيد تعريف الواقع وفق سرديات جهوية.

الاستنتاج: فيسبوك يعمل بوصفه مستودعًا للذاكرة الجماعية، حيث تُعاد صياغة الماضي لخدمة الصراع الراهن.

“ما يُعاد نشره لا يُقرأ كتاريخ… بل كحدثٍ لم يكتمل.”

ثالثًا: إكس (تويتر سابقًا) – “التحليل المقنّع بالتحريض”

وصف الحالة: في عيّنة الحسابات على إكس، تم رصد سلسلة تغريدات أعيد تفعيلها من منتصف 2023، تصف جماعة سياسية بأنها “السبب في انهيار الدولة”، مع روابط لمقاطع قديمة أعيد تداولها بعد إعلان سياسي في نوفمبر 2025. ورغم أن التغريدات نُشرت في سياقٍ مختلف، إلا أنها أعيد نشرها وكأنها ردٌّ مباشر على الحدث الراهن.

التحليل النوعي: الخطاب في هذه الحالة يتّخذ شكل تحليل سياسي عقلاني، لكنه يوظف لغة اتهامية وتعميمية. 70% من التفاعل جاء من حسابات مجهولة الهوية، تُعيد نشر التغريدات دون تحقق. هذا النمط يعكس ما يُعرف بـ “التأطير التحريضي التحليلي”: أي استخدام لغة الرأي والنقد لتبرير الكراهية. كما يُظهر كيف تحوّل “التحليل السياسي” في المنصة إلى أداة ناعمة للعنف الرمزي.

الاستنتاج: إكس يمثل الفضاء الذي تُصاغ فيه الكراهية المبررة لغويًا — أي تلك التي تُقدَّم في هيئة “رأي مشروع” لكنها تعيد إنتاج الإقصاء.

“ليست كل الكلمات الغاضبة تُصرّح… بعضها يُحلّل.”

خلاصة دراسات الحالة

تكشف المقارنة بين المنصات الثلاث عن ثلاثة أنماط متكاملة:

جدول رقم (4)

تشير هذه الحالات إلى أن الكراهية السودانية لم تعد تُنتج في لحظتها، بل تُدار عبر منظومة زمنية تتكامل فيها المنصات الثلاث لصياغة ذاكرة رقمية ممتدة — ذاكرة تتكلّم بثلاث لغات، وتغذّي الانقسام بثلاث طرق.

التوصيات

“من الرصد إلى الاستجابة: نحو بيئة رقمية مسؤولة”

تُبرز نتائج الرصد والتحليل خلال شهري نوفمبر وديسمبر أن خطاب الكراهية في المنصات الرقمية السودانية لم يعد مجرد ظاهرة لغوية، بل منظومة تفاعلية متشابكة تتغذى على الخوارزميات، والذاكرة الجمعية، وضعف التحقق الإعلامي. ولذلك، فإن التعامل معها يتطلب استجابة متعددة المستويات تشمل التقنية، القانونية، والتوعوية.

فيما يلي أبرز التوصيات المستخلصة من نتائج هذا الإصدار:

أولاً: على منصات التواصل الاجتماعي

  1. إدراج إشارات زمنية واضحة على المحتوى المعاد نشره أو تداوله، لتجنّب التضليل الزمني الذي يُعيد إنتاج الكراهية القديمة في سياقات جديدة.
  2. تعديل خوارزميات التوصية بحيث تقلل من تعزيز المحتوى العدائي حتى لو كان عالي التفاعل، وتمنح أولوية للمحتوى الداعم للتعايش والحوار.
  3. تعزيز آليات الإبلاغ المحلية من خلال مكاتب إقليمية تتفهم السياق السوداني، بدلًا من الاعتماد على المعايير العامة التي تتجاهل الحساسية اللغوية والثقافية.
  4. إلزام صناع المحتوى المؤثرين بتضمين تحذيرات واضحة أو توضيحات سياقية عند إعادة نشر مواد من فترات سابقة.
  5. تفعيل الشراكات مع منظمات المجتمع المدني للمساعدة في التعرف على الخطاب التحريضي بلغة محلية وسياقات اجتماعية دقيقة.

ثانيًا: على الجهات القانونية وصناع السياسات

  1. تطوير أطر تشريعية رقمية تتعامل مع خطاب الكراهية بوصفه جريمة تواصلية مستمرة، تأخذ في الاعتبار إعادة النشر والتداول كممارسات ضارة لا تقل عن النشر الأول.
  2. تحديث القوانين الإعلامية بحيث تشمل منصات البث القصير مثل تيك توك ضمن نطاق الرقابة والمساءلة، أسوةً بفيسبوك وإكس.
  3. إنشاء وحدة متخصصة في الجرائم الرقمية تُعنى برصد المحتوى التحريضي وتوثيقه قضائيًا لضمان المساءلة.
  4. تعزيز التعاون القضائي الإقليمي مع الدول المجاورة ومنظمات العدالة الدولية في تتبع الحسابات العابرة للحدود التي تُروّج لخطاب العداء أو التحريض على العنف.

ثالثًا: على منظمات المجتمع المدني والإعلام

  1. إطلاق حملات رقمية مضادة تُعيد تعريف مفاهيم الانتماء والهوية بصورة إيجابية، وتستخدم لغة وسائط التواصل ذاتها لمواجهة الكراهية بالمحتوى الإنساني والإبداعي.
  2. تدريب الصحفيين والمبدعين على رصد المؤشرات اللغوية والسيميائية لخطاب الكراهية، لتفادي إعادة إنتاجه عن غير قصد.
  3. دعم مبادرات “الذاكرة الرقمية البديلة” التي توثّق سرديات التعايش والمقاومة المدنية، لتكون رديفًا لذاكرة الكراهية السائدة على المنصات.
  4. تعزيز التربية الإعلامية الرقمية في المدارس والجامعات، بما يمكّن الشباب من قراءة الزمن والسياق في المحتوى الذي يستهلكونه أو يعيدون نشره.

رابعًا: على المستوى الدولي والإقليمي

  1. حثّ الشركات المالكة للمنصات على الالتزام بمواثيق حقوق الإنسان في إدارة المحتوى، خاصة في البيئات الهشّة والنزاعات الداخلية.
  2. تخصيص دعم تقني ومالي لمبادرات الرصد المحلي المستقل، لأنها توفر فهمًا نوعيًا لا تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي العالمية تحقيقه.
  3. إدماج خطاب الكراهية الرقمي في آليات تقصي الحقائق الدولية باعتباره أحد المحركات الأساسية للعنف الجماعي والانتهاكات اللاحقة.

خامسًا: مقترح إستراتيجي للنشر القادم

يقترح فريق حسابات تحت المجهر أن تتناول إصدارة يناير محورًا خاصًا بعنوان:

“الذكاء الاصطناعي والكراهية المبرمجة: من التفاعل إلى التوجيه”

لتسليط الضوء على كيف يمكن أن تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا من المشكلة أو الحل في آنٍ واحد، خاصة مع دخول مرحلة “المؤثرين الآليين” (AI influencers).

إن كبح جماح الكراهية الرقمية لا يتحقق فقط بالحذف أو الرقابة، بل بإعادة هندسة النظام الاتصالي نفسه ليصبح أكثر وعيًا بالزمن والسياق والمسؤولية الأخلاقية. المعركة ليست بين “الخطاب والرد عليه”، بل بين الذاكرة التي تعيد إنتاج الكراهية، والوعي الذي يُعيد قراءتها.

الخاتمة

“حين تتحدث الذاكرة… يصمت الزمن”

تكشف هذه الإصدارة من حسابات تحت المجهر أن خطاب الكراهية في الفضاء السوداني لم يعد حدثًا عابرًا أو ردّة فعلٍ آنية، بل تحوّل إلى بنية اتصالية حيّة تمتد في الزمن، وتجدّد نفسها عبر كل منصة، وكل خوارزمية، وكل إعادة نشر. فالتحليل الزمني والمقارن أوضح أن الكراهية الرقمية ليست فقط ما يُقال اليوم، بل ما يُستعاد من الأمس ليُعاد تأويله في الحاضر — في دورةٍ متواصلة من الغضب والذاكرة والتضليل.

لقد أظهرت المراقبة أن المنصات ليست مجرد ساحات للنقاش، بل فضاءات إنتاجٍ للمعنى، حيث تُعاد صياغة الانتماء والهوية والعنف في آنٍ واحد. وعليه، فإن مواجهة الكراهية لا يمكن أن تُختزل في المراقبة أو الحذف، بل تتطلب وعيًا نقديًا بالخوارزمية نفسها، وبالذاكرة التي تحكم حضورنا في الفضاء العام الرقمي.

في ديسمبر، تبيّن أن اللغة لم تعد فقط وسيلة للتعبير، بل أصبحت أداةً للتكرار والنجاة والبقاء — حتى بالنسبة للكراهية ذاتها. إنها تتكيّف، وتضحك، وتتحلّل ثم تعود في شكل جديد، لأنها تعيش في فضاءٍ لا يعرف النهاية: فضاء المنصات.

لكن وسط هذا الضجيج، يظل الأمل قائمًا: فكما تُعيد الكراهية إنتاج نفسها، يمكن أيضًا إعادة إنتاج الوعي، وبناء خطابٍ جديدٍ يتجاوز الانقسام، ويستعيد إنسانية التواصل في زمنٍ رقميٍّ مضطرب.

“الكراهية تتغذى من التكرار، لكن الوعي يتغذى من الفهم.”

ومن هنا تبدأ مهمة الرصد المقبلة — لا لمراقبة الكراهية فقط، بل لرسم خرائط جديدة للتعايش الرقمي في السودان وما بعده.

Share the Post:

التقارير المتعلقة