صوت آمن – حسابات تحت المجهر – نوفمبر

كلمة فريق برنامج صوت آمن

في هذا الشهر، نواصل في صوت آمن مهمتنا في رصد وتحليل أنماط خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني، في وقتٍ تتزايد فيه التحديات وتتخذ فيه التعبيرات العدائية أشكالًا أكثر تمويهًا وتعقيدًا.

لم يعد خطاب الكراهية كما كان في بدايات الحرب — صريحًا وعنيفًا فحسب — بل أصبح أكثر تحايلاً ورمزية، محمّلًا بالإشارات الثقافية والسياسية التي تُخفي خلفها تحريضًا على الإقصاء والتمييز، وتُعيد إنتاج الانقسام المجتمعي بطرقٍ جديدة.

في إطار هذا الجهد، قام فريق برنامج صوت آمن خلال شهر نوفمبر بمراقبة ثلاثين حسابًا نشطًا على منصات إكس، فيسبوك، وتيكتوك، ومراجعة المحتوى المنشور عليها بصورة منهجية، بهدف تحليل أنماط خطاب الكراهية ورصد تحوّلاته في الفضاء الرقمي السوداني. وقد أظهرت النتائج أن الخطاب العدائي يتطور من العنف اللفظي المباشر إلى التحريض المقنّع عبر السخرية والمقاطع المصوّرة والرموز الثقافية الشعبية، ما يجعله أكثر انتشارًا وتأثيرًا.

لقد لاحظ الفريق كذلك تصاعد التحريض الجهوي والدعوات إلى الانفصال، إلى جانب انتشار مضامين تُشرعن العنف تحت غطاء الوطنية أو الدفاع عن الهوية. وهو ما يؤكد أن المواجهة مع خطاب الكراهية لم تعد تقتصر على كشف المفردات العنيفة، بل تتطلب تفكيك بنيته الرمزية وفهم آلياته الاتصالية التي تعمل على إعادة إنتاج العنف في الوعي الجمعي.

إننا في صوت آمن نؤمن بأن مواجهة خطاب الكراهية لا تتم عبر الإدانة فقط، بل من خلال الفهم والتحليل والمساءلة. ومن هذا المنطلق، نعمل على تحويل نتائج الرصد إلى معرفة نقدية وأدوات للتوعية والمناصرة تسهم في بناء فضاء رقمي آمن، تُصان فيه الكرامة الإنسانية وتُحمى فيه حرية التعبير من الانزلاق إلى التحريض.

هذه النشرة هي ثمرة جهدٍ جماعي من باحثين ومحللين وناشطين يؤمنون بأن الكلمة يمكن أن تكون جسرًا للسلام كما يمكن أن تكون شرارة للكراهية. ومن مسؤوليتنا أن نكشف بوضوح وحياد كيف تُستخدم الكلمة اليوم في تشكيل الرأي العام، وأن نُسهم في استعادة الفضاء الرقمي كمنصة للحوار، لا ميدانًا للعداء.

معًا، نحو صوتٍ آمن … وعدٍ بالمساءلة، ومسارٍ نحو التعايش والعدالة.

Introduction

تأتي إصدارة نوفمبر من نشرة “حسابات تحت المجهر” في ظل مرحلة جديدة من تطوّر خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني، حيث يشهد الخطاب العدائي تحوّلاً نوعياً من المواجهة العلنية إلى التحريض المقنّع، مستخدمًا أدوات رمزية وسردية أكثر تأثيرًا وانتشارًا. لم يعد خطاب الكراهية يعتمد على الشتائم المباشرة أو الأوصاف المهينة فحسب، بل بات يوظّف السخرية، والرموز الثقافية، والمقاطع الساخرة، والأغاني الشعبية لتغليف رسائل التمييز والتحريض بطريقة تبدو خفيفة أو مرحة، لكنها في جوهرها تعيد إنتاج العنف اللفظي والرمزي.

خلال شهر نوفمبر، أظهر الرصد الميداني لثلاثين حساباً نشطاً على منصات إكس، فيسبوك، وتيكتوك أن خطاب الكراهية يشهد اتساعاً في الدائرة الجهوية والعرقية، مع بروز أنماط تدعو إلى الانفصال الجغرافي والتمييز الهوياتي، وتعمل على تصوير المكونات الاجتماعية بوصفها “كتلاً متناحرة” بدلاً من شركاء في وطن واحد. كما برزت ظاهرة شيطنة الآخر السياسي على نحو أعمق، إذ تبادلت الأطراف المتصارعة الخطابات الاتهامية التي تُجرّد الخصوم من الوطنية وتُبرر العنف ضدهم.

وتشير نتائج التحليل إلى أن المنصات البصرية – خصوصًا تيكتوك – باتت تمثل المصدر الأكثر نشاطًا وخطورةً في نشر المحتوى العدائي، نظرًا لسرعة انتشاره وسهولة تداوله، مقابل استمرار فيسبوك كمنصة للنقاشات الجماعية، وإكس كمنصة لصياغة السرديات السياسية المؤثرة في الرأي العام.

إن هذا التحول يعكس نضوجًا خطيرًا في آليات الكراهية الرقمية، حيث تتوارى اللغة العنيفة خلف الخطاب التحليلي أو الساخر، ما يجعل اكتشافها أصعب وتأثيرها أعمق. ومن ثم، تؤكد هذه الإصدارة على ضرورة الانتقال من رصد الكلمات إلى تحليل المعاني والدلالات الرمزية، باعتبارها مفتاح الفهم الجديد للخطاب العدائي في السودان اليوم.

المنهجية

اعتمد فريق برنامج صوت آمن في إعداد إصدارة نوفمبر من نشرة “حسابات تحت المجهر” على منهج مزدوج يجمع بين التحليل الكمي والنوعي، بهدف فهم طبيعة خطاب الكراهية وتحوّلاته داخل الفضاء الرقمي السوداني.

جمع البيانات

تمت مراقبة ثلاثين حسابًا نشطًا على منصات إكس، فيسبوك، وتيكتوك، اختيرت بناءً على معايير محددة تشمل:

  • مستوى التأثير الرقمي (عدد المتابعين وحجم التفاعل).

  • تكرار النشر واتساق المحتوى العدائي.

  • تنوع الانتماء الجهوي والسياسي لضمان تمثيل شامل للخطابات المختلفة.

شملت عملية الرصد مراجعة مئات المنشورات والمقاطع المصوّرة خلال الفترة من 1 إلى 30 نوفمبر 2025، باستخدام أدوات توثيق رقمية لحفظ البيانات وتحليلها بدقة مع الالتزام التام بأخلاقيات العمل البحثي وحماية الخصوصية.

التحليل النوعي

اعتمد الفريق على تحليل المضمون والسياق اللغوي والسيميائي للمحتوى المنشور، للكشف عن أنماط الخطاب العدائي، وأبرز السمات البلاغية والرمزية المستخدمة في تمرير الكراهية.
تم تصنيف المواد وفق ثلاثة محاور رئيسية:

  • خطاب كراهية قائم على العرق أو الانتماء الجهوي.

  • خطاب كراهية سياسي وتحريضي.

  • خطاب خطير يدعو أو يبرر العنف المادي والمجازي.

التحليل الكمي

استُخدمت جداول تحليل البيانات المستخرجة من الملفات الخاصة بالمنصات الثلاث لقياس:

  • حجم التفاعل الرقمي (إعجابات، تعليقات، مشاركات).

  • نسبة المحتوى العدائي مقارنة بالمحتوى العام.

  • التوزيع الزمني والمنصاتي للخطاب (متى وأين يتصاعد).

التحقق والمراجعة

تمت مراجعة النتائج بشكل جماعي داخل فريق التحليل للتأكد من دقتها، ومقارنتها بنتائج إصدارة أكتوبر السابقة، لرصد الاتجاهات الجديدة في تطور خطاب الكراهية ومستويات انتشاره.

يهدف هذا النهج إلى تقديم تحليل علمي متكامل لا يكتفي بتتبع الكلمات أو العبارات، بل يسعى إلى فهم البنية الفكرية والسردية لخطاب الكراهية، وعلاقته بالتحولات السياسية والاجتماعية في السودان.

الأنماط الخطابية الجديدة

أظهر الرصد الشامل للحسابات محل الدراسة، والذي امتد ليشمل محتوى منشوراً خلال فتراتٍ زمنية مختلفة في الماضي، أن خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني يشهد تحولاً نوعياً في أساليبه وأدواته التعبيرية. فلم يعد هذا الخطاب يعتمد على الشتائم المباشرة أو الإهانات الصريحة كما في بدايات الصراع، بل تطور إلى أشكال أكثر تمويهاً وتنظيماً تستند إلى الرموز والسخرية والتلميح السياسي والاجتماعي.

وقد حدّد فريق صوت آمن مجموعة من الأنماط الخطابية الجديدة التي أصبحت تُشكّل الملامح الأبرز لخطاب الكراهية في المشهد الرقمي السوداني:

أولاً: التحريض المقنّع بالسخرية والتهكم

برزت السخرية كوسيلة رئيسية لتمرير رسائل الكراهية بطريقة غير مباشرة، حيث تُستخدم النكات والمقاطع الساخرة والأغاني الشعبية لإنتاج خطاب عدائي يبدو ترفيهياً.
يتم تمرير رسائل التمييز عبر “المزاح الجماعي” أو “الكوميديا السياسية”، ما يمنح الخطاب العدائي شرعية اجتماعية خادعة ويزيد من قابليته للانتشار.

يتحول العنف الرمزي في هذا النمط إلى شكل من الترفيه، مما يعمّق أثره النفسي في المتلقين ويجعل مقاومته أكثر صعوبة.

ثانيًا: تصاعد الخطاب الجهوي والدعوات إلى الانفصال

أظهر التحليل تزايد استخدام اللغة الجهوية التي تكرّس الانقسام بين مناطق السودان المختلفة، لا سيّما بين الشمال ودارفور أو الشرق والخرطوم.
يتجلى هذا النمط في الدعوة إلى “فصل” أو “تنظيف” مناطق بعينها، أو في تصوير مجموعات سكانية كغرباء أو دخلاء على الوطن.

هذا الاتجاه يعيد إنتاج النزاعات القديمة في شكل رقمي، ويحوّل الانقسام السياسي إلى صراع اجتماعي وهوياتي عابر للأجيال.

ثالثًا: شيطنة الآخر السياسي

تواصل الحسابات المؤثرة استخدام لغة الاتهام والتخوين ضد الخصوم السياسيين، سواء كانوا مؤيدين للجيش أو للدعم السريع أو لقوى الحرية والتغيير.
يُصوَّر الطرف المختلف سياسياً على أنه “عدو للوطن” أو “عميل”، وتُستخدم هذه اللغة لتبرير الإقصاء والتحريض على العنف.

بهذا الشكل، يُعاد تعريف الانتماء السياسي بوصفه معياراً للوطنية أو الخيانة، ما يعمّق الاستقطاب ويؤسس لعداء دائم.

رابعًا: نزع الإنسانية والتمييز العرقي

ما تزال اللغة العنصرية حاضرة في الخطاب العام، لكن بأساليب أكثر دهاءً.
تظهر العبارات المهينة مثل “الغرابة”، “العبيد”، “الوساخة” في سياقات غير مباشرة، أو ضمن حوارات “تحليلية” تُخفي مضمونها التمييزي خلف خطاب سياسي أو اجتماعي.

هذا النمط يسهم في تجريد فئات سكانية من إنسانيتها، ويغذي مشاعر التفوق العرقي والاحتقار الطبقي في الوعي الجمعي.

خامسًا: تبرير الحرب وتقديس العنف

تتكرر الخطابات التي تبرّر القتال باعتباره “معركة مقدسة” أو “واجباً وطنياً”، خاصة في الحسابات المرتبطة بالقوات النظامية أو الدعم السريع.
تُستخدم الرموز الدينية والوطنية لتجميل صورة الحرب وتطبيع العنف الجماعي ضد الخصوم السياسيين أو المكونات الجهوية الأخرى.

هذا النمط يُحوّل العنف من فعلٍ استثنائي إلى واجب أخلاقي أو وطني، وهو ما يُرسّخ ثقافة تبرير القتل بوصفه دفاعاً عن القيم.

خلاصة الاتجاه العام

تُظهر هذه الأنماط أن خطاب الكراهية في السودان لم يعد فعلاً انفعالياً أو لحظياً، بل أصبح منظومة تواصلية متكاملة تتغذى على التاريخ والسياسة والرمز الاجتماعي.
إن تطور هذا الخطاب عبر الزمن يعكس قدرة فاعليه على التكيف مع سياسات المنصات وتغيّرات الرأي العام، مما يتطلب استراتيجيات رصد وتحليل أكثر عمقاً ودقة، تركز على المعنى والسياق لا على اللفظ وحده.

التحليل الكمي

يُظهر التحليل الكمي المستند إلى البيانات المستخلصة من المنصات الثلاث (تيكتوك، فيسبوك، وإكس) تبايناً واضحاً في حجم التفاعل وانتشار خطاب الكراهية. وقد تم قياس عدد الحسابات، والمتابعين، ونسبة المحتوى العدائي لتحديد المنصات الأكثر تأثيراً وخطورة في نشر الخطاب العدائي.

جدول يبين الإحصائيات:

يتضح من البيانات أن منصة تيكتوك تمثل البيئة الأكثر خصوبة لانتشار خطاب الكراهية نظراً لطبيعتها البصرية وسرعة تداول المحتوى، بينما يُستخدم فيسبوك لنشر النقاشات التحريضية الجماعية، في حين يظل إكس ساحة لصياغة الخطاب السياسي المؤدلج.

الملاحظات النوعية

أظهر التحليل النوعي للمحتوى المنشور عبر المنصات الثلاث أن خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني يتسم بدرجة عالية من المرونة والتكيّف مع السياقات السياسية والاجتماعية المتغيرة، مما جعله أكثر قدرة على التمويه والتأثير في الجمهور.
وفيما يلي أبرز الملاحظات التي رصدها فريق صوت آمن خلال عملية المراجعة والتحليل:

1. تراجع الخطاب العنيف الصريح مقابل صعود التحريض المبطّن

لم يعد خطاب الكراهية يعتمد على الألفاظ العدوانية المباشرة كما في المراحل الأولى من النزاع، بل تحوّل إلى خطاب ساخر، وتحليلي ظاهرياً، ومقنع بلغة “الرأي العام”.
يُقدَّم العنف الرمزي اليوم في قوالب لغوية أكثر نعومة، ما يجعل اكتشافه ورصده أكثر تعقيداً.

2. إعادة إنتاج الاستقطاب السياسي في شكل سرديات شعبية

تتكرر روايات تُعيد تصوير الصراع السياسي على أنه معركة بين الخير والشر، وتُستخدم القصص والأمثال والأغاني لإعادة تأكيد مواقف أيديولوجية محددة.

هذا النمط يعمّق الانقسام ويحوّل المنصات إلى فضاءات تعبئة نفسية للجمهور.

3. تزايد الحسابات مجهولة الهوية

برزت ظاهرة الحسابات المجهولة التي تحمل أسماء وطنية أو رموزاً دينية، وتنشر محتوى عدائياً بشكل مكثف دون هوية واضحة.
يُستخدم هذا النوع من الحسابات لتجريب رسائل مختلفة واختبار تأثيرها، ما يشير إلى تنظيم أكبر لعمليات نشر الكراهية عبر المنصات.

4. تكرار المحتوى وتنسيق الرسائل عبر المنصات

تم رصد مقاطع ومنشورات متطابقة أو متشابهة في المنصات الثلاث، ما يشير إلى وجود تنسيقٍ أو إعادة تدوير متعمدة للخطاب العدائي من مصادر مشتركة.

هذا النمط يعكس انتقال خطاب الكراهية من التفاعل الفردي إلى حملات رقمية شبه ممنهجة.

5. تنامي الخطاب الجهوي المغلف بلغة الدفاع عن الذات

تظهر منشورات تتحدث عن “حقوق المناطق” و“التمييز التاريخي” و“رد الكرامة” بطريقة توحي بالمظلومية الجماعية، لكنها في جوهرها تحرض على الكراهية والانتقام.

يُستخدم مفهوم العدالة الاجتماعية هنا كغطاء لإعادة إنتاج خطاب الإقصاء.

6. ضعف المحتوى المضاد وضعف الحضور الإيجابي

على الرغم من انتشار الخطاب العدائي، ما يزال المحتوى الإيجابي المضاد ضعيفاً ومحدود التأثير، وغالباً ما يصدر من مبادرات فردية أو صفحات غير مدعومة تنظيمياً.

هذا الضعف يتيح لخطاب الكراهية أن يحتكر الفضاء العام دون منافسة فكرية أو سردية.

تكشف هذه الملاحظات أن خطاب الكراهية في السودان لم يعد ظاهرة لغوية فحسب، بل أصبح بنية اتصالية وثقافية متكاملة تتقاطع فيها اللغة، الصورة، والرمز الاجتماعي.
ويؤكد ذلك الحاجة إلى تحليل معمّق للسياق الثقافي والنفسي للخطاب العدائي، وإلى استراتيجيات مضادة تعيد توجيه الحوار الرقمي نحو قيم التعدد والتعايش.

استعراض الحسابات التي خضعت للمراقبة خلال شهر نوفمبر

تيك توك:

 

فيسبوك:

 

اكس:

 

التوصيات

استناداً إلى نتائج الرصد والتحليل النوعي والكمّي للمحتوى المنشور عبر منصات إكس، فيسبوك، وتيكتوك، يقترح فريق صوت آمن حزمة من التوصيات العملية التي تستهدف الحد من انتشار خطاب الكراهية وتعزيز بيئة رقمية آمنة تسهم في بناء الثقة المجتمعية وتعزيز التعايش.

أولاً: تطوير أدوات الرصد والتحليل

  1. توسيع نطاق الرصد ليشمل المنصات التفاعلية المغلقة مثل واتساب وتيليغرام، لما لهما من دور محوري في التحشيد ونشر الشائعات.

  2. إنشاء قاعدة بيانات مركزية للحسابات والمحتويات ذات الخطاب العدائي العالي، تُحدث شهرياً وتُستخدم لأغراض البحث والمناصرة.

  3. اعتماد تقنيات التحليل السيميائي واللغوي الآلي لتحديد الخطاب المموّه أو المقنّع الذي يصعب رصده بالطرق اليدوية.

ثانيًا: بناء شراكات استراتيجية

  1. التعاون مع منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المحلية لتنسيق الجهود في مواجهة الكراهية الرقمية ونشر ثقافة التواصل الآمن.

  2. إطلاق شراكات أكاديمية مع الجامعات ومراكز البحث لتحليل الظواهر الخطابية المعقدة وتطوير مؤشرات علمية لقياس الكراهية الرقمية.

  3. التنسيق مع المنصات التقنية الدولية لمطالبتها بتفعيل سياسات الإشراف المحلية باللغة العربية واللهجات السودانية.

ثالثًا: تعزيز الخطاب المضاد وبناء الوعي

  1. إنتاج محتوى توعوي مضاد يقوده شباب مؤثرون من مختلف المناطق السودانية، يُبرز قيم التعدد والتسامح بلغة واقعية قريبة من الجمهور.

  2. تنظيم حملات رقمية إيجابية تستهدف مواجهة الشائعات وخطاب العنف بخطاب مسؤول ومستنير.

  3. تدريب الناشطين والإعلاميين على التمييز بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، وتزويدهم بأدوات رصد وتبليغ فعالة.

رابعًا: دعم الإطار القانوني والمؤسسي

  1. تعزيز المساءلة القانونية عن المحتوى التحريضي والعنصري وفقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

  2. المطالبة بسياسات وطنية شاملة لمكافحة الكراهية الرقمية، توازن بين حرية التعبير وحماية الكرامة الإنسانية.

  3. دعم مبادرات الإصلاح الإعلامي التي تهدف إلى تحسين معايير النشر الإلكتروني وتدقيق المعلومات قبل تداولها.

تؤكد هذه التوصيات أن مواجهة خطاب الكراهية لا تتحقق بالرقابة وحدها، بل عبر منظومة متكاملة من الرصد، التحليل، التوعية، والمساءلة.
إن بناء فضاء رقمي آمن في السودان يتطلب جهداً جماعياً طويل المدى، يستند إلى المعرفة والعدالة، ويؤمن بأن الكلمة مسؤوليّة لا تقل خطورة عن الفعل.

الخاتمة

تكشف نتائج هذه الإصدارة من نشرة “حسابات تحت المجهر” أن خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني لم يعد مجرد انعكاس لحالة الصراع على الأرض، بل أصبح أحد محركاته الرئيسية، يساهم في إعادة إنتاج الانقسام الاجتماعي والسياسي عبر أدواتٍ جديدة تتراوح بين التهكم، والتحليل الزائف، والدعوة المقنّعة إلى العنف.

لقد أظهر الرصد أن الكراهية لم تعد تتحدث بصوتٍ مرتفع كما في السابق، بل أصبحت أكثر خفاءً وذكاءً، تُقدَّم في صورة “نقاش” أو “سخرية”، لكنها تحمل ذات الرسائل التي تُبرر الإقصاء وتُضعف قيم التعايش. وهذا التحول يستدعي وعياً جديداً بأساليب الرصد والتحليل، يتجاوز تتبع الكلمات إلى تفكيك البنية الرمزية للخطاب وتأثيره النفسي والاجتماعي.

في المقابل، يظل الأمل قائماً في قدرة المجتمعات على مقاومة هذا المدّ العدائي من خلال الوعي، التعليم، والإنتاج الإيجابي للمحتوى. فالمعركة ضد الكراهية ليست تقنية فحسب، بل هي معركة قيم وأخلاق، تتطلب تعاوناً بين النشطاء، والإعلاميين، وصنّاع القرار لبناء ثقافة رقمية تقوم على المسؤولية والتعدد والاحترام المتبادل.

يؤكد برنامج صوت آمن التزامه بمواصلة هذا الجهد البحثي والتوثيقي كجزء من مسار طويل نحو عدالة رقمية تحمي الإنسان من العنف الرمزي، وتعيد تعريف الكلمة كأداة للسلام لا وسيلةً للتحريض.
فالكلمة، حين تُكتب بضمير، تصنع الأمان قبل أن تصنع الرأي.

Share the Post:

التقارير المتعلقة