الملخص التنفيذي
يصدر هذا التقرير عن مركز كادن للعدالة وحقوق الإنسان بوصفه الإصدار الثاني ضمن برنامج «صوت آمن»، بعد التقرير الأول «الطلقة الأولى» الصادر في 31 يوليو 2025. ويحمل هذا التقرير عنوان «أمواج سامة ” 31 اغسطس 2025 ، ويسعى إلى رصد وتحليل خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني، مع تتبع تحوّلاته الكمية والنوعية، وتقييمه في ضوء الإطار القانوني الدولي، وصولًا إلى بلورة توصيات عملية.
اعتمد التقرير على منهجية مزدوجة: التحليل الكمي باستخدام أداة SSPP التي أتاحت قياس حجم الظاهرة وانتشارها عبر المنصات المختلفة، والتحليل النوعي باستخدام أداة NVivo لتفكيك البنية اللغوية والخطابية لخطاب الكراهية ورصد آثاره المستقبلية في خمسة أبعاد أساسية (الاجتماعي، النفسي، السياسي، الرقمي، وأطر التبرير والتطبيع). كما تمت مقاربة النتائج بالاستناد إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وخطة عمل الرباط، لتقييم التزامات السودان الدولية في مواجهة هذه الظاهرة.
أظهرت النتائج الكمية أن شهر يوليو شهد ارتفاعًا في عدد الحالات المرصودة إلى 355 حالة مقارنة بـ336 في يونيو، مع تصدّر الخطاب الخطير (36.3%) والخطاب العرقي (34.9%)، مقابل تراجع نسبي للخطاب السياسي (28.7%). كما برزت منصة تيك توك كساحة مركزية لانتشار خطاب الكراهية، مستحوذة على نحو 97% من المشاهدات والتفاعلات، في حين لعبت الفيديوهات الدور الأخطر كوسيلة انتشار، مقارنة بالنصوص والصور التي كان أثرها محدودًا.
أما التحليل النوعي فقد كشف أن خطاب الكراهية لم يعد مجرد تعبيرات عابرة، بل تحول إلى منظومة خطابية منظمة تستند إلى الاستعارات المرضية والحشرية، وبناء ثنائيات “نحن/هم”، واستدعاء سرديات كبرى مثل التطهير والخيانة والبطولة، مع استخدام المزاح والدين والتاريخ كأطر للتبرير والتطبيع. هذا النمط الخطابي يحمل آثارًا مستقبلية خطيرة تتمثل في تفكك التعايش الاجتماعي، تراكم الصدمات النفسية، إضعاف الثقة بالمؤسسات، ترسيخ الاستقطاب الرقمي، وتحويل الكراهية إلى أيديولوجيا مستقرة.
وبناءً على هذه النتائج، قدّم التقرير حزمة توصيات عملية توزعت على خمسة مستويات:
تشريعي وقانوني: تجريم خطاب الكراهية والتحريض على العنف بما يتسق مع المعايير الدولية.
مؤسسي وسياسي: تعزيز حياد المؤسسات وضمان المساواة في التمثيل والخدمات.
رقمي وتقني: التعاون مع المنصات الرقمية، وإنشاء وحدات وطنية للرصد الإلكتروني.
اجتماعي ونفسي: توفير دعم نفسي للمجتمعات المستهدفة، وإطلاق مبادرات للتعايش.
ثقافي وتربوي: إدماج قيم التنوع في المناهج، وتشجيع الإنتاج الثقافي والفني البديل.
يمثل هذا التقرير تنبيهًا واضحًا إلى أن خطاب الكراهية في السودان لم يعد مسألة هامشية، بل تهديدًا مباشرًا للنسيج الاجتماعي والسلام الأهلي، ما يستوجب استجابة وطنية شاملة، متكاملة الأبعاد، ومنسجمة مع التزامات السودان بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
Introduction
يصدر هذا التقرير عن مركز كادن للعدالة وحقوق الإنسان بوصفه التقرير الثاني ضمن برنامج «صوت آمن»، وذلك عقب التقرير الأول الموسوم بعنوان «الطلقة الأولى» الصادر في 31 يوليو 2025. ويأتي هذا الإصدار الجديد تحت عنوان «أمواج سامة – 31 اغسطس 2025» ليواصل مسار الرصد والتحليل المنهجي لخطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني، كاشفًا عن ملامح التحول الكمي والنوعي في طبيعة الظاهرة، ومسلطًا الضوء على انعكاساتها الخطيرة على المجتمع والدولة.
يرتكز التقرير على منهجية مزدوجة تجمع بين التحليل الكمي باستخدام أداة SSPP التي مكّنت من رصد حجم الظاهرة وانتشارها على منصات التواصل الاجتماعي، والتحليل النوعي باستخدام أداة NVivo التي أظهرت الأنماط اللغوية والخطابية المهيمنة في خطاب الكراهية وآثارها المستقبلية في خمسة أبعاد رئيسية: التعايش الاجتماعي، النفسي والسلوكي، السياسي والمؤسسي، الرقمي والتقني، وأطر التبرير والتطبيع. كما استند التقرير إلى الإطار القانوني الدولي لحقوق الإنسان من خلال العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وخطة عمل الرباط، بما أتاح مقاربة الظاهرة في ضوء المعايير والالتزامات الدولية.
لقد أظهر التحليل الكمي أن شهر يوليو شهد ارتفاعًا في عدد حالات خطاب الكراهية مقارنة بشهر يونيو، مع انتقال مركز الثقل إلى منصة تيك توك وسيطرة الفيديوهات على مؤشرات الوصول والتفاعل، بما يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الانتشار. أما التحليل النوعي فقد بيّن أن الخطاب لم يعد مجرد تعبيرات عفوية، بل تحول إلى منظومة خطابية متكاملة تعيد إنتاج التمييز والإقصاء عبر استعارات مرضية، ثنائيات حادة، وسرديات كبرى تضفي شرعية زائفة على العنف.
وبالاستناد إلى هذه النتائج، صاغ التقرير حزمة توصيات عملية تتوزع على خمسة مستويات: تشريعي وقانوني، مؤسسي وسياسي، رقمي وتقني، اجتماعي ونفسي، ثقافي وتربوي. وهي توصيات تستهدف بناء مقاربة شاملة توازن بين حماية حرية التعبير والالتزام بحظر خطاب الكراهية، وتعزز قدرة الدولة والمجتمع على احتواء الظاهرة ومعالجة آثارها.
إن هذا التقرير لا يكتفي برصد الأرقام أو تحليل الخطاب، بل يهدف إلى المساهمة في تأسيس نقاش وطني ودولي حول مخاطر خطاب الكراهية في السودان، وسبل مواجهته في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان، حمايةً للنسيج الاجتماعي، وضمانًا لسلامة الدولة، وتحصينًا لمسار العدالة والكرامة الإنسانية.
المنهجية
استند تقرير «أمواج سامة » إلى منهجية مزدوجة تمزج بين التحليل الكمي والنوعي، مع ربط النتائج بالإطار القانوني الدولي لحقوق الإنسان، وصولًا إلى صياغة توصيات عملية.
جمع البيانات
تم رصد المحتوى الرقمي المتداول على ثلاث منصات رئيسية هي: فيسبوك، إكس (Twitter/X)، وتيك توك خلال الفترة الممتدة من 1 إلى 31 يوليو 2025. وقد شمل الرصد المنشورات النصية، مقاطع الفيديو، والصور ذات الصلة بخطاب الكراهية. بلغ مجموع الحالات المرصودة 355 حالة، وتم تصنيفها وفق معايير محددة في ثلاث فئات أساسية:
خطاب خطير (تحريضي على العنف والإبادة).
خطاب قائم على العرق (تمييز وإقصاء على أساس الهوية).
خطاب سياسي (إقصاء وتحريض على أساس المواقف أو الانتماءات السياسية).
التحليل الكمي
تم تحليل البيانات باستخدام أداة SSPP، التي مكّنت من تتبع عدد الحالات، أنماط التوزيع، ومستويات الوصول والجذب (مشاهدات، متابعات، تفاعلات، مشاركات)، إضافة إلى تحليل المنصات ونوع المحتوى والتوقيت الزمني للنشر. وقد أتاح هذا التحليل المقارنة مع شهر يونيو 2025، مما أظهر التحولات العددية والنوعية في الظاهرة.
التحليل النوعي
تم استخدام أداة NVivo للترميز والتصنيف النوعي للخطاب. وقد ركّز التحليل على البنية اللغوية والخطابية لخطاب الكراهية، مع تحديد الأنماط الأساسية مثل: الاستعارات المرضية والحشرية، ثنائية “نحن/هم”، السرديات الكبرى (التطهير، الخيانة، البطولة)، وأطر التبرير (الدين، الوطنية، التاريخ، المزاح). كما تم تحليل الآثار المستقبلية لهذه الأنماط عبر خمسة أبعاد:
– التعايش الاجتماعي.
– النفسي والسلوكي.
– السياسي والمؤسسي.
– الرقمي والتقني.
– أطر التبرير والتطبيع.
الإطار القانوني
تمت مقاربة النتائج على ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان، وخاصة:
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، المواد (19، 20، 25).
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (CERD)، المواد (2، 4، 5، 7).
خطة عمل الرباط (2012) الخاصة بتحديد معايير خطاب الكراهية.
وقد سمح هذا الإسقاط القانوني بتقييم مدى توافق أو تعارض الممارسات المرصودة مع التزامات السودان الدولية، وتحديد مسؤوليات الدولة والجهات الفاعلة.
صياغة التوصيات
استندت التوصيات إلى نتائج التحليل الكمي والنوعي، وإلى الاستنتاجات العامة والإطار القانوني، لتقديم مجموعة من التدابير العملية على خمسة مستويات: التشريعي والقانوني، المؤسسي والسياسي، الرقمي والتقني، الاجتماعي والنفسي، الثقافي والتربوي. وقد رُوعي في صياغتها أن تكون قابلة للتطبيق ومرتبطة بالسياق السوداني، مع انسجامها مع المعايير الدولية.
بهذا، يجمع التقرير بين الصرامة الكمية في رصد الأرقام والاتجاهات، والعمق النوعي في تحليل اللغة والرموز والسرديات، والمرجعية القانونية الدولية في تقييم الظاهرة، وصولًا إلى توصيات عملية يمكن أن تشكل أساسًا لسياسات وطنية وإقليمية شاملة لمواجهة خطاب الكراهية في السودان
التحليل الكمي
يكشف هذا القسم من تقرير ” امواج سامة” نتائج التحليل الكمي لخطاب الكراهية استنادًا إلى البيانات التي تمت معالجتها باستخدام أداة SSPP، والتي أتاحت رصد الاتجاهات وتحديد التحولات في طبيعة الخطاب ومستوى انتشاره عبر المنصات الرقمية. ويُظهر التحليل أن شهر يوليو لم يشهد مجرد زيادة طفيفة في عدد الحالات مقارنة بشهر يونيو، بل تميز بتحولات نوعية أكثر خطورة، سواء على صعيد أشكال الخطاب أو مسارات وصوله وجذبه للجمهور. إن هذا التحول يشير إلى انتقال الظاهرة من مجرد حضور عددي محدود إلى حالة انتشار واسع ذات تأثير متزايد العمق والخطورة.
تكشف البيانات المرصودة لشهر يوليو أن خطاب الكراهية لم يشهد فقط زيادة طفيفة من حيث العدد مقارنة بشهر يونيو، بل عرف تحولات نوعية أكثر خطورة في طبيعته وانتشاره. فقد بلغ مجموع الحالات 355 حالة مقابل 336 حالة في يونيو، غير أن الزيادة العددية لا تمثل سوى جزء من الصورة؛ إذ أن التحليل يُظهر انتقال الظاهرة من مرحلة الحضور المحدود إلى مرحلة الانتشار الواسع والتأثير العميق، مع تصاعد ملحوظ في أشكال الخطاب الأكثر حدة وعدائية.
جدول احصائي يقارن بين موشرات شهر يونيو وشهر يوليو :

رسم بياني رقم (1)
من حيث الأنواع، توزع خطاب الكراهية على ثلاثة أنماط رئيسية: الخطاب الخطير في الصدارة بـ129 حالة (36.3%)، يليه الخطاب القائم على العرق بـ124 حالة (34.9%)، ثم الخطاب السياسي بـ102 حالة (28.7%). ورغم أن النسب العددية متقاربة نسبيًا، فإن مؤشرات الوصول والجذب تكشف تمايزًا جوهريًا؛ إذ استحوذ الخطاب الخطير على غالبية المتابعين (67.4%) والمشاهدات (93.8%) والتفاعلات (92.7%)، في حين امتاز الخطاب العرقي بقدرته الكبيرة على إعادة الانتشار عبر المشاركات (88.4%)، بينما ظل الخطاب السياسي الأقل تأثيرًا على مختلف المستويات. هذه النتائج توضح أن مسار يوليو اتجه نحو تعزيز الخطاب الأكثر خطورة، مقارنة بشهر يونيو الذي اتسم بانتشار أكبر للخطاب السياسي.

رسم بياني رقم (2)

رسم بياني رقم (3)

رسم بياني رقم (4)

رسم بياني رقم (5)
وعلى مستوى المنصات، تصدر فيسبوك بـ134 حالة (37.8%)، يليه إكس (Twitter/X) بـ133 حالة (37.5%)، ثم تيك توك بـ88 حالة (24.8%). لكن عند النظر إلى مؤشرات الجذب، يتضح تحول نوعي؛ إذ سيطر تيك توك وحده على نحو 97% من المشاهدات والتفاعلات، على الرغم من كونه الأقل عددًا. أما فيسبوك وإكس، ورغم تزايد الحالات فيهما، فقد ظل أثرهما محدودًا لم يتجاوز 3% من مؤشرات الوصول. هذا يعكس انتقال مركز الثقل من المنصات التقليدية (فيسبوك وإكس) إلى تيك توك باعتباره الفضاء الأكثر خطورة وفعالية في نشر المحتوى العدائي، وهو تحول لم يكن بذات الحدة في يونيو.

رسم بياني رقم (6)

رسم بياني رقم (7)

رسم بياني رقم (8)

رسم بياني رقم (9)
أما من زاوية نوع المحتوى، فقد استمرت المنشورات النصية في الصدارة عددًا بـ264 حالة (74.4%)، تلتها الفيديوهات بـ85 حالة (23.9%)، بينما جاءت الصور في الهامش بـ6 حالات فقط (1.7%). غير أن الفارق في التأثير كان حاسمًا؛ إذ لم تتجاوز النصوص 2.5% من المشاهدات و2.2% من المشاركات، في حين استحوذت الفيديوهات على أكثر من 97% من المشاهدات والتفاعلات، مما يجعلها الوسيلة الأخطر لانتشار خطاب الكراهية. وبالمقارنة مع يونيو، يظهر أن يوليو مثل مرحلة توسع أكبر في الاعتماد على الوسائط المرئية، بما يضاعف من سرعة الانتشار وشدته.

رسم بياني رقم (10)

رسم بياني رقم (11)

رسم بياني رقم (12)

رسم بياني رقم (13)
أما من حيث التوقيت، فقد سجلت الفترة المسائية النسبة الأعلى عددًا بـ131 حالة (36.9%)، وكانت الأكثر جذبًا للمشاهدات (56.4%) والتفاعلات (85.9%)، بينما تميزت فترة الظهيرة بكونها اللحظة الأبرز لإعادة النشر عبر المشاركات بنسبة 91.2% من إجمالي المشاركات، في حين ظلت الفترة الصباحية الأدنى من حيث العدد والتأثير. وعند المقارنة بالشهر السابق، يتضح أن المساء استمر كذروة زمنية للنشر، غير أن يوليو تميز بتضاعف حجم التفاعل، ما يشير إلى تعمق الارتباط بين توقيت النشر ومستويات الجذب والتأثير.

رسم بياني رقم (14)

رسم بياني رقم (15)

رسم بياني رقم (16)

رسم بياني رقم (17)
خلاصة القول، إن المقارنة بين يونيو ويوليو توضح أن خطاب الكراهية انتقل من نمط أقرب إلى الحضور العددي المحدود في يونيو إلى نمط أكثر خطورة وشدة في يوليو، يتسم بالاعتماد المتزايد على الفيديوهات، وبروز تيك توك كساحة مركزية للتأثير، وتراجع نسبي للخطاب السياسي مقابل تصاعد الخطاب الخطير والعرقي. وهو ما يعكس نقلة نوعية في طبيعة الظاهرة، ليس فقط من حيث الكم، بل من حيث درجة الخطورة وسرعة الانتشار واتساع نطاق التأثير.
التحليل النوعي :
يستعرض هذا القسم من تقرير ” أمواج سامة” التحليل النوعي لخطاب الكراهية المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي. وقد تم رصد ومعالجة خمس قضايا رئيسية خلال هذا الشهر، تتقاطع جميعها في أنها لا تعكس مجرد مواقف وقتية أو تعبيرات انفعالية، بل تمثل أنماطًا لغوية وخطابية متكررة تعيد إنتاج التمييز والإقصاء، وتفتح المجال أمام احتمالات خطيرة على مستقبل المجتيمع والدولة.
اعتمد التحليل على أداة NVivo في الترميز والتصنيف، مما أتاح مقاربة منظمة للأبعاد اللغوية والخطابية لهذه القضايا وربطها بالآثار المستقبلية المحتملة في خمسة مجالات أساسية: التعايش الاجتماعي، النفسي والسلوكي، السياسي والمؤسسي، الرقمي والتقني، وأطر التبرير والتطبيع. وتستند القراءة إلى أمثلة حية تم جمعها وتحليلها، لتبيان كيف يتحول الخطاب من كلمات إلى قوة فاعلة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتؤسس لمسارات من العنف الرمزي والمادي قد يصعب احتواؤها في المدى المنظور.
خطاب الكراهية والتعايش الاجتماعي
يُظهر الخطاب الخطير مستوى مرتفعًا من التحريض المباشر على العنف والإقصاء الجماعي، مثل الدعوات إلى “حرب الزرقة قادمة” أو “تخليص البلاد من الغرابة والمهاجرين الأفارقة”. هذا النوع من الخطاب لا يكتفي بتقويض التعايش، بل يسعى صراحةً إلى إلغاء وجود الآخر.
الدعوات لانفصال دارفور أو طرد جماعات معينة تعني تحويل الانقسام السياسي إلى قطيعة اجتماعية وجغرافية.
وصف مناطق أو جماعات بأنها “سرطان” أو “نبت سرطاني” يشرعن فكرة استئصالها من المجتمع، مما يهدد وحدة السودان وسلامه الأهلي.

مثال رقم (1)
مثال رقم (2)

مثال رقم (3)
البعد النفسي والسلوكي
الخطاب الخطير يولد حالة خوف جماعي لدى المجتمعات المستهدفة، ويدفع الأفراد إلى الانسحاب من الحياة العامة أو الهجرة الداخلية والخارجية. على سبيل المثال:
اتهام جماعات بأنها سبب “النهب والاغتصاب” يضع وصمة جماعية، تؤدي إلى وصم الأجيال الجديدة وتشجيع العزلة.
الدعوات الصريحة للقتل أو الطرد تجعل المستهدفين يشعرون بأن سلامتهم الجسدية مهددة باستمرار، مما يعمق الصدمة النفسية ويفاقم النزوح.

مثال رقم (4)
مثال رقم (5)

مثال رقم (6)
البعد السياسي والمؤسسي
يُستغل هذا الخطاب لإضعاف الثقة في الدولة ومؤسساتها:
- تصوير بعض المكونات القبلية كـ”مليشيات” أو “طفيليات على الدولة” يبرر فكرة حرمانها من التمثيل السياسي أو الخدمة العامة.
- الخطاب التحريضي على أساس مناطقي (مثلًا ضد أبناء نهر النيل أو دارفور) يهدد شرعية المؤسسات الوطنية ويقوض محاولات بناء دولة جامعة.
- في السياق السوداني، يعزز هذا الخطاب استقطابًا سياسيًا حادًا، يجعل أي إصلاح أو عملية سلام رهينة بالخطابات المتطرفة.

مثال رقم (7)
مثال رقم (8)
مثال رقم (9)
البعد الرقمي والتقني
الخطاب الخطير ينتشر بكثافة عبر المنصات الرقمية باستخدام الهاشتاقات التحريضية مثل المطالبة بفصل مناطق أو شن حرب أهلية. إعادة النشر المتكرر لنفس الرسائل التحريضية (مثال: تكرار عبارة “حرب الزرقة قادمة” على أكثر من منشور). البوتات والحسابات المجهولة التي تضخّم خطابًا يربط بين جماعات كاملة والعنف أو الخيانة. هذا التضخيم الرقمي يجعل الخطاب يبدو أكثر قبولًا اجتماعيًا مما هو عليه في الواقع، ويدفع بعض المستخدمين إلى التماهي مع خطاب الكراهية.
مثال رقم (10)
مثال رقم (11)
مثال رقم (12)
أطر التبرير والتطبيع
يُقدَّم الخطاب الخطير عادةً عبر أطر تُضفي عليه شرعية زائفة: الدين من خلال تصوير جماعات بأنها “أعداء الدين” لتبرير استهدافها، والوطنية عبر الادعاء بأن الطرد أو الإقصاء هو “حماية للوطن”. كما يتم استدعاء أحداث تاريخية (مثل الاستعمار أو حروب قديمة) لتطبيع فكرة أن العنف هو الحل الوحيد. وأحيانًا يُطرح خطاب خطير في صياغة ساخرة أو عبر الميمز والمزاح، لتقليل حساسية الجمهور تجاهه وتطبيع الكراهية في الوعي العام.
مثال رقم (13)
مثال رقم (14)
مثال رقم (15)
الجوانب اللغوية والخطابية:
يُظهر تحليل المادة الموثقة أن خطاب الكراهية في السودان لا يقوم فقط على تبادل الإهانات، بل يعتمد على لغة منظمة، مليئة بالرموز والسرديات، تُحوّل الكراهية إلى ممارسة مبررة اجتماعيًا وسياسيًا. فيما يلي أبرز الملامح اللغوية والخطابية:
المفردات المحمّلة بالكراهية والتعايش الاجتماعي:
تتسم اللغة المستخدمة بوصم مباشر يحوّل المستهدفين إلى كيانات غير بشرية، مثل وصفهم بـ “الحشرات” أو “الأنجاس”. هذا النمط يضرب في أساس العيش المشترك، لأنه يلغي فكرة المواطنة المشتركة ويحوّل التنوع إلى مصدر صراع.

مثال رقم (16)
الاستعارات والرموز والبعد النفسي والسلوكي:
يلجأ الخطاب إلى استعارات الأمراض (“سرطان”، “وباء”) أو الحشرات (“جراد”، “جرذان”)، مما يخلق حالة نفسية قوامها الخوف والاشمئزاز. هذا يبرر للمجتمع استبعاد أو إقصاء الآخر، ويترك لدى الضحايا شعورًا بالدونية والتهديد الدائم.

مثال رقم (17)
ثنائية “نحن/هم” والبعد السياسي والمؤسسي:
أحد أبرز مكونات الخطاب هو بناء ثنائية حادة: “نحن الوطنيون” مقابل “هم الخونة”. هذه الثنائية لا تترك مجالًا للوسطية أو التعايش السياسي، بل تشرعن الإقصاء التام من المؤسسات.

مثال رقم (18)
السرديات الكبرى والبعد الرقمي والتقني:
تُبنى الخطابات على سرديات كبرى تمنحها معنى يتجاوز اللحظة الراهنة: سردية التطهير (التخلص من جماعات معينة)، سردية الخيانة (الخصوم عملاء)، وسردية البطولة (الذات كمنقذ للوطن). هذه السرديات تنتشر بقوة في الفضاء الرقمي عبر هاشتاقات وشعارات قصيرة.

مثال رقم (19)
المزاح والسخرية وأطر التبرير والتطبيع:
يُستخدم المزاح كأداة لإخفاء خطورة العبارات، حيث تُرفق الدعوات للإبادة برموز ضاحكة أو نكات، مما يطبع الكراهية ويجعل تداولها مقبولًا اجتماعيًا. وعندما تُلبس الكراهية لبوس الدعابة أو الدين أو التاريخ، فإنها تتحول إلى أيديولوجيا مبررة.

مثال رقم (20)
الأثر المستقبلي لاستمرار خطاب الكراهية في الأبعاد القضايا الخمسة
التعايش الاجتماعي
استمرار خطاب الكراهية سيقوّض فكرة العيش المشترك من أساسها. فكلما تكرّرت الدعوات للإقصاء أو الطرد أو “التطهير”، ترسّخت لدى الجمهور صورة أن المجتمع يتكوّن من جماعات متناحرة لا رابط وطني يجمعها. على المدى المتوسط، ستضعف جسور الثقة بين المكوّنات المحلية (الجوار، المدرسة، السوق، مكان العمل)، وتتحول التعاملات اليومية إلى حذر وتوجس دائمين. ومع الزمن، ستنشأ “حدود اجتماعية غير مكتوبة” تفصل الأحياء والمدن والجهات بحسب الانتماءات، فتتراجع شبكات التكافل والتعاون بين المختلفين. على المدى الأبعد، قد تتعاظم الدعوات الانفصالية أو ترتفع شرعية الحلول القائمة على الفصل الجغرافي، وتصبح المصالحة أكثر كلفة وتعقيدًا لأن المجتمع يكون قد فقد ذاكرة التعايش ومهاراته.
النفسي والسلوكي
يعيد خطاب الكراهية تشكيل الصحة النفسية العامة عبر مسارين متوازيين: الخوف المزمن لدى المستهدَفين، والتطبيع الأخلاقي للعنف لدى المؤيدين. بالنسبة للمستهدَفين، سيؤدي التعرض المتكرر للتهديد والإهانة إلى أعراض قلق واكتئاب وصدمة، يتبعها انسحاب من المشاركة الاجتماعية والرقمية، وربما هجرة داخلية أو خارجية بحثًا عن الأمان. وبالنسبة للمؤيدين، تتكوّن شرعية نفسية “للعقاب” والانتقام، فتزداد القابلية لتبرير العنف أو المشاركة فيه. ومع تراكم هذه الحالة، يتربّى جيل جديد في بيئة مشحونة بالعداء والوصم، ما يخلق دوائر انتقام متبادلة ويُصعِّب أي برامج لاحقة للتعافي المجتمعي أو إعادة الإدماج.
السياسي والمؤسسي
حين يصبح الإقصاء جزءًا من اللغة اليومية، ينتقل سريعًا إلى بنية السياسة والمؤسسات. استمرار الخطاب سيُضعف شرعية الدولة لصالح الجماعات المسلحة والسلطويات المحلية، ويُكرّس ممارسات “الاجتثاث” بدل التداول السلمي والتنافس البرنامجي. تتحول الأجهزة العامة إلى ساحة تصفية حسابات، وتتراجع معايير الجدارة والكفاءة لصالح الولاء والهويّة. على المدى المتوسط، ينهار مبدأ المواطنة المتساوية وتستباح الحقوق الأساسية لخصوم “المعسكر الغالب”، ما يخلق دورات متتالية من الاستبداد والاضطراب. وعلى المدى البعيد، تصبح عملية الإصلاح المؤسسي شبه مستحيلة لأن ثقة الجمهور بالقضاء والأمن والإدارة تكون قد تآكلت، ولكون النُخب نفسها تشبّعت بمنطق الإقصاء لا بمنطق بناء المؤسسات.
الرقمي والتقني
سيتحوّل الفضاء الرقمي إلى بيئة إنتاج وتدوير مستمر للكراهية، خصوصًا مع تطور أدوات النشر الآلي والتخصيص الخوارزمي. استمرار الخطاب يعني تضخم “فقاعات التوافق” التي لا يرى داخلها المستخدم إلا ما يؤكد تحيزاته، فتتعمق الاستقطابات. ومع انتشار البوتات والحملات المنسّقة، ستبدو الآراء المتطرفة وكأنها “أغلبية”، ما يمنحها زخمًا إضافيًا. على المدى المتوسط، سيتحول المحتوى العنيف إلى “ترفيه سياسي” عبر الميمز والسخرية، فيضعف الحس النقدي ويصعب تصحيح المعلومات. وعلى المدى الأبعد، ستحتاج جهود الرصد والمواجهة إلى قدرات تقنية وتنظيمية عالية، وإلا ترسخت هذه البنية الرقمية كمنظومة دائمة تعيد إنتاج الكراهية وتوسّع نطاقها أسرع من أي تدخلات تعليمية أو قانونية تقليدية.
أطر التبرير والتطبيع
الخطر الأكبر أن يتحول خطاب الكراهية من ظاهرة ظرفية إلى أيديولوجيا مستقرة عبر أطر تبرير دينية أو تاريخية أو وطنية. حين يُقدَّم العنف على أنه “دفاع عن الهوية” أو “حماية للوطن” أو “تصحيح لمسار التاريخ”، يكتسب شرعية رمزية تضمن بقاءه وتعيد إنتاجه عبر التعليم غير الرسمي والإعلام الشعبي. على المدى المتوسط، تتسع دوائر المتلقين المتعاطفين مع التبرير، فيسهل تجنيدهم داخل مشاريع عنيفة أو إقصائية. وعلى المدى البعيد، يصبح من الصعب تفكيك هذه الأطر لأن نقضها سيُفهم كطعن في الدين أو الوطنية أو الذاكرة الجمعية. عند تلك النقطة، لا تكفي قرارات سياسية لوقف العنف، بل يلزم تغيير ثقافي طويل الأمد يعيد تعريف القيم المشتركة ويستعيد مركزية الكرامة والمواطنة
الإطار القانوني
يمثل خطاب الكراهية، كما أظهره هذا التقرير، تهديدًا متعدد الأبعاد يتقاطع مع قضايا التعايش الاجتماعي، الآثار النفسية والسلوكية، استقرار المؤسسات السياسية، الفضاء الرقمي، وأطر التبرير والتطبيع. ومن منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن هذه الأبعاد جميعها تخضع لإطار قانوني متكامل يستند إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وخطة عمل الرباط.
فمن حيث التعايش الاجتماعي، فإن الدعوات للإقصاء والتطهير الجماعي تمثل خرقًا مباشرًا للمادة (20) من العهد الدولي التي تحظر أي دعوة للكراهية القومية أو العرقية أو الدينية تشكل تحريضًا على العداوة أو العنف. استخدام توصيفات مثل “السرطان” أو “النبت السرطاني” بحق جماعات بعينها يتعارض كذلك مع المادة (4) من اتفاقية القضاء على التمييز العنصري التي تفرض على الدول الأطراف التزامًا بمكافحة الدعايات العنصرية ومنعها وتجريمها. إن هذا النوع من الخطاب يهدد السلام الأهلي، ويقوض الأساس القانوني لمفهوم المواطنة المتساوية.
أما على المستوى النفسي والسلوكي، فإن الدعوات المباشرة للقتل أو الوصم الجماعي تمثل انتهاكًا للحق في الكرامة الإنسانية، وتشكل معاملة مهينة بالمعنى الوارد في المادة (7) من العهد الدولي. فالتحريض على العنف يترك آثارًا نفسية جماعية قد تدفع الضحايا إلى الانعزال أو الهجرة، وهو ما يتعارض مع التزامات الدولة بموجب المادة (2) من العهد واتفاقية التمييز العنصري في ضمان التمتع بالحقوق دون خوف أو وصم.
وفي البعد السياسي والمؤسسي، فإن تصوير جماعات مناطقية أو سياسية على أنها خائنة أو عميلة يقوض مبدأ المشاركة المتساوية في الحياة العامة، وينتهك المادة (25) من العهد الدولي التي تكفل الحق في المشاركة السياسية دون تمييز. كما أن التحريض على إقصاء مكونات بعينها من مؤسسات الدولة يتنافى مع المادة (5) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري التي تنص على المساواة أمام القانون في التمتع بالحقوق السياسية والمدنية. وبذلك يصبح خطاب الكراهية ليس مجرد خطاب عدائي، بل أداة لإضعاف المؤسسات وتحويلها إلى ساحة إقصاء.
أما في الفضاء الرقمي والتقني، فإن إعادة إنتاج خطاب الكراهية عبر الهاشتاقات التحريضية والحملات المنظمة يمثل تحديًا للتوازن بين حرية التعبير المنصوص عليها في المادة (19) من العهد الدولي وبين الالتزام بحظر خطاب الكراهية في المادة (20). هنا تأتي خطة عمل الرباط لتوفير إطار عملي من خلال اختبار العناصر الستة (السياق، المتحدث، النية، المحتوى والشكل، مدى الانتشار، الضرر المحتمل)، ما يسمح بتمييز التعبير المشروع عن الخطاب المحظور قانونيًا. ومن ثم فإن مسؤولية الدولة لا تقتصر على التجريم، بل تشمل أيضًا تطوير شراكات تنظيمية مع شركات التكنولوجيا لمراقبة المحتوى وحذفه وفق معايير دقيقة ومتوازنة.
أما أطر التبرير والتطبيع، فهي الأخطر لأنها تمنح خطاب الكراهية شرعية زائفة عبر الدين أو الوطنية أو التاريخ أو حتى السخرية والمزاح. وهذه الممارسات لا تندرج فقط تحت الحظر المفروض بموجب المادة (4) من اتفاقية القضاء على التمييز العنصري، بل تفرض على الدولة التزامات إيجابية بموجب المادة (7) من الاتفاقية ذاتها، من خلال اعتماد سياسات تعليمية وثقافية تعزز التسامح وحقوق الإنسان وتفكك الأطر الأيديولوجية التي تمنح العنف قبولًا اجتماعيًا.
وعليه، فإن الإطار القانوني الدولي يقدم أساسًا واضحًا لمعالجة خطاب الكراهية كتهديد متكامل لا ينفصل فيه الاجتماعي عن النفسي، ولا السياسي عن الرقمي أو الثقافي. وهو يفرض على الدولة التزامات قانونية محددة: سن تشريعات واضحة تجرّم التحريض على العنف والكراهية، توفير آليات إنصاف فعّالة للضحايا، ضمان نزاهة المؤسسات القضائية والإدارية في معالجة الظاهرة، وتبني سياسات تربوية وإعلامية طويلة الأمد تزرع قيم التسامح والمواطنة المتساوية. وبذلك، فإن التحدي لا يقتصر على مواجهة خطاب وقتي، بل على بناء حصانة قانونية ومجتمعية تحول دون تحوله إلى أيديولوجيا مستقرة تقوض أسس الدولة وحقوق الإنسان.
-الاستنتاجات:
يُظهر الجمع بين التحليل الكمي والنوعي لخطاب الكراهية في تقرير “أمواج سامة ” أن الظاهرة لم تعد محصورة في نطاق محدود، بل شهدت انتقالًا نوعيًا من مجرد حضور عددي متفرق إلى منظومة خطابية متماسكة وأكثر خطورة. فالزيادة العددية من 336 حالة في يونيو إلى 355 حالة في يوليو لا تعكس وحدها حجم التغيير، إذ أن التحليل الكمي يكشف عن تحولات جوهرية في طبيعة الخطاب، حيث تصدّر الخطاب الخطير والعرقي المشهد على حساب الخطاب السياسي، كما أصبحت منصات مثل تيك توك مركزية في نشر المحتوى العدائي عبر الفيديوهات، التي استحوذت على الغالبية العظمى من المشاهدات والتفاعلات.
أما التحليل النوعي فيوضح أن خطاب الكراهية لم يعد قائمًا على الإهانات الفردية أو العبارات العفوية، بل صار يعتمد على بنية لغوية وخطابية معقدة تشمل الاستعارات المرضية والحشرية، وبناء ثنائيات حادة بين “نحن” و”هم”، وسرديات كبرى تمنح الخطاب شرعية زائفة عبر الدين أو الوطنية أو التاريخ. هذا الخطاب لا يقتصر على التأثير الاجتماعي فحسب، بل يترك آثارًا نفسية عميقة على الأفراد المستهدَفين، ويقوّض أسس الثقة في المؤسسات، ويستغل البيئة الرقمية لتوسيع نطاقه بشكل يصعب ضبطه بالوسائل التقليدية.
إن تلاقي النتائج الكمية والنوعية يوضح أن خطاب الكراهية في السودان بات يشكّل خطرًا متعدد الأبعاد: فهو يعمّق الانقسامات الاجتماعية، يزرع الخوف والوصم، يضعف المؤسسات، ويمنح العنف مبررات ثقافية وأيديولوجية تعيق أي مسار نحو المصالحة أو الإصلاح. هذه الصورة تؤكد الحاجة إلى مقاربة شاملة تتجاوز المعالجات القانونية وحدها، لتشمل التدابير التربوية والثقافية والرقمية، وتنسجم مع التزامات السودان في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان.
الاستنتاجات المركزية :
تصاعد خطورة الظاهرة: ارتفاع الحالات في يوليو (355) مقارنة بيونيو (336) تزامن مع تحولات نوعية جعلت الخطاب أكثر عدائية وتأثيرًا.
– نماط الخطاب: الخطاب الخطير (36.3%) والعرقي (34.9%) تصدّرا المشهد، مقابل تراجع نسبي للخطاب السياسي (28.7%).
– منصات الانتشار: تيك توك أصبح الساحة الأبرز لنشر خطاب الكراهية، مستحوذًا على 97% من المشاهدات والتفاعلات، بينما تراجع تأثير فيسبوك وإكس.
– وسائط النشر: الفيديوهات مثّلت الوسيلة الأخطر للانتشار (97% من المشاهدات والتفاعلات)، مقابل تأثير ضعيف للنصوص والصور.
– الأثر النفسي والاجتماعي: الخطاب ولّد خوفًا جماعيًا ووصمًا اجتماعيًا للمستهدفين، وعزز الانقسام المجتمعي.
– البنية الخطابية: اعتماد واسع على الاستعارات المرضية والحشرية، وثنائية “نحن/هم”، وسرديات التطهير والخيانة والبطولة، ما يمنحه طابعًا أيديولوجيًا.
– الفضاء الرقمي: البوتات والهاشتاقات والميمز ساهمت في تضخيم الخطاب وتطبيعه اجتماعيًا.
– التداعيات المؤسسية والسياسية: الخطاب قوّض الثقة في المؤسسات الوطنية، وشرعن الإقصاء، مما يهدد مسارات الإصلاح والسلام.
– الحاجة لمقاربة شاملة: مواجهة خطاب الكراهية تستوجب استراتيجيات متكاملة تشمل التشريع، الرقابة القضائية، التثقيف المجتمعي، والتنظيم الرقمي، وفق معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان.
التوصيات
استنادًا إلى نتائج التحليل الكمي والنوعي، وما خلصت إليه الاستنتاجات العامة والإطار القانوني، يوصي تقرير «أمواج سامة » بجملة من التدابير العملية المتعددة المستويات، لمواجهة خطاب الكراهية والحد من آثاره:
- على المستوى التشريعي والقانوني
تجريم التحريض على العنف والكراهية بشكل واضح في التشريعات الوطنية، بما يتوافق مع المادة (20) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمادة (4) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.
اعتماد معايير خطة عمل الرباط لتحديد متى يتجاوز التعبير المشروع حدود حرية الرأي ليصبح خطابًا محظورًا قانونيًا.
إنشاء آلية قضائية مستقلة مختصة بالنظر في قضايا خطاب الكراهية وضمان نزاهة المعالجة بعيدًا عن التسييس.
- على المستوى المؤسسي والسياسي
تعزيز حياد المؤسسات الوطنية وضمان المساواة في التمثيل والخدمات العامة، بما يحول دون شرعنة الإقصاء السياسي أو المناطقي.
إشراك المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني في رصد خطاب الكراهية وتوثيقه، بما يوفر قاعدة بيانات مستقلة لدعم السياسات العامة.
إطلاق برامج للمصالحة السياسية والاجتماعية تعالج الاستقطاب الخطابي، وتعيد بناء الثقة بين المكونات.
- على المستوى الرقمي والتقني
التعاون مع شركات التكنولوجيا (خاصة تيك توك وفيسبوك وإكس) لوضع آليات استجابة عاجلة لإزالة المحتوى المحرض على الكراهية والعنف.
إنشاء وحدة وطنية للرصد الرقمي تعتمد على أدوات تحليل البيانات لرصد الحملات المنسقة، والبوتات، وأنماط التضخيم الاصطناعي لخطاب الكراهية.
تطوير برامج توعية رقمية تستهدف الشباب والمستخدمين النشطين على المنصات، لتشجيع التفكير النقدي ومواجهة الأخبار الكاذبة والمحتوى المحرض.
- على المستوى الاجتماعي والنفسي
توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للمجتمعات المستهدفة بخطاب الكراهية، لمعالجة آثار الخوف والوصم والصدمة.
إطلاق مبادرات لبناء التعايش الاجتماعي عبر المدارس والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، تركّز على قيم المواطنة المتساوية والتنوع الثقافي.
تمكين الفاعلين المحليين (زعماء المجتمع، رجال الدين، القيادات النسائية والشبابية) من لعب دور إيجابي في مواجهة الكراهية بخطاب بديل قائم على التسامح.
- على المستوى الثقافي والتربوي
إدماج قيم حقوق الإنسان والتنوع في المناهج التعليمية والبرامج الثقافية والإعلامية.
تشجيع الإنتاج الثقافي والفني (مسرح، أفلام قصيرة، ميمز بديلة) كوسائل مضادة لخطاب الكراهية، تستهدف الفضاء الرقمي ذاته الذي يُستغل لنشر الكراهية.
تنظيم حملات إعلامية وطنية تركز على خطورة خطاب الكراهية على وحدة المجتمع ومستقبل الدولة.
المراجع :
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، اعتمد وعُرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2200A (د-21) المؤرخ في 16 ديسمبر 1966، ودخل حيز النفاذ في 23 مارس 1976، ولا سيما المواد (2)، (7)، (19)، (20)، و(25).
- الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (ICERD)، اعتمدت بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2106 (د-20) المؤرخ في 21 ديسمبر 1965، ودخلت حيز النفاذ في 4 يناير 1969، ولا سيما المواد (4)، (5)، و(7).
- خطة عمل الرباط بشأن حظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، اجتماع الخبراء المنعقد في الرباط – المغرب، 5 أكتوبر 2012، الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والتي تقدم اختبار العناصر الستة (السياق، المتحدث، النية، المحتوى والشكل، مدى الانتشار، الضرر المحتمل).
- الإعلانات والتعليقات العامة الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة:
التعليق العام رقم (34) للجنة حقوق الإنسان بشأن حرية الرأي والتعبير (المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، 2011.
التعليق العام رقم (18) للجنة حقوق الإنسان بشأن عدم التمييز، 1989.
التوصية العامة رقم (35) للجنة القضاء على التمييز العنصري بشأن مكافحة خطاب الكراهية العنصري، 2013.
الملاحق :
– جدول الأنماط اللغوية والخطابية وتكراراتها (NVivo)
– الرسوم البيانية لمؤشرات التحليل الكمي (SSPP)
– قائمة بالمراجع القانونية والدولية












