EN: https://kedencentre.org/2025/11/22/ghosts-of-bahri-a-record-of-past-violations-against-civilians/
منذ اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023، شهدت العاصمة وأطرافها انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وكان المدنيون العزّل هدفاً مباشراً لأعمال الاعتقال التعسفي والتعذيب والتهديد بالتصفية الجسدية، خاصة في مدينة بحري التي شهدت خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع موجة واسعة من الانتهاكات المنظمة والعشوائية على حد سواء، وقد تركزت هذه الانتهاكات في استخدام منازل ومؤسسات مدنية كمقار احتجاز غير قانونية وممارسة التعذيب الجسدي والنفسي والمحاكمات الصورية، كما رُصدت عمليات إخلاء قسرية أدت إلى إصابة المدنيين وإلحاق أضرار جسدية بالعديد منهم، وقد توثّق التقرير حالة الضحية زكريا بدوي موريس كوة كنموذج حي للانتهاكات التي طالت المدنيين، مدعومة بأدلة مصورة لزي الجهة التي نفذت عملية الاحتجاز وللإصابات التي لحقت به، إضافة إلى تقرير طبي يثبت طبيعة الضرر الجسدي الذي تعرض له، ويؤكد التقرير أن هذه الانتهاكات تمثل نمطاً ممنهجاً يستوجب تحقيقاً مستقلاً ومحاسبة المسؤولين وتوفير الحماية للضحايا والشهود، ويشدد مرصد كادن لحقوق الإنسان على أن توثيق هذه الأحداث السابقة يهدف إلى مساءلة المنتهكين وضمان عدم إفلاتهم من العقاب مهما طال الزمن
منذ اندلاع الحرب، استمرت مدن العاصمة الثلاثة في مواجهة انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وكان المدنيون خلالها هدفاً مباشراً للعنف، وخصوصاً في مدينة بحري التي شهدت خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع عليها موجة واسعة من التجاوزات المنظمة والعشوائية على حد سواء، وقد تفاوتت تلك الانتهاكات في أدواتها وشدتها لكنها اتفقت في أنها جميعاً مورست على مدنيين عُزّل، وفي أنها شكّلت خرقاً صريحاً لكل القواعد القانونية والإنسانية الدولية التي تحكم سلوك الأطراف في النزاعات غير الدولية، وخلال تلك الفترة برزت جريمة الاعتقال التعسفي باعتبارها من أكثر الجرائم انتشاراً إذ تحولت إلى ممارسة شبه يومية طالت عدداً كبيراً من السكان استناداً إلى شبهات غير قانونية، كما اتُّخذت اتهامات التخابر مع القوات المسلحة ذريعة للاعتقال إلى جانب الاشتباه المبني على الأسس العرقية في خرق واضح للبروتوكول الإضافي الثاني وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خصوصاً فيما يتعلق بالحرمان من الحرية والاعتقال خارج إطار القانون، وإلى جانب منهجية الاعتقال تم رصد مخالفات خطيرة فيما يتعلق بمقار الاحتجاز التي استخدمتها قوات الدعم السريع فقد حُوّلت منازل ومؤسسات مدنية إلى سجون وبيوت أشباح وأصبحت أماكن تنفيذ التعذيب والمحاكمات الصورية والتهديد بالتصفية الجسدية دون أي مراعاة لشروط الاحتجاز القانونية التي يفرضها القانون الدولي الإنساني وتشير شهادات ناجين من تلك الفترة إلى أن تلك المواقع كانت تشهد حالات إعدام واحتجاز طويل دون توجيه تهم ما يجعلها مواقع مخالفة بصورة كاملة للقانون، ومن بين الحالات التي وثقها مرصد كادن تبرز شهادة الضحية زكريا بدوي موريس كوة البالغ من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً والمقيم بحي المزاد شمال بمدينة بحري والذي يعمل نائب أمين مخزن بشركة سيقا للغلال ويعاني من مرض الأزمة الصدرية ويؤكد الضحية أنه تعرّض لعدة اعتقالات منذ اندلاع الحرب لكن أخطرها وقع في أغسطس من العام 2024 مساء يوم أربعاء حين جرى اعتقاله وتعذيبه واستجوابه لساعات طويلة داخل أحد المنازل التي حُوّلت إلى معتقل يتبع لقوات الدعم السريع
يروي الضحية أنه خرج صباح ذلك اليوم لجلب المياه لمنزله وفي أثناء غيابه جاءت قوة من قوات الدعم السريع تسأل عنه مدعية أنها قوة استخباراتية وأبلغت أسرته بأنها ستعود لاحقاً وعندما عاد الضحية إلى المنزل علم بما حدث وانتظر طويلاً عودة القوة لكنها لم تظهر مما دفعه للخروج للجلوس مع جيرانه وفي المساء عادت القوة ذاتها ووجدته هذه المرة في المنزل وعند فتحه الباب سألوه إن كان هو زكريا ولما أقر بذلك طلبوا منه مرافقتهم إلى “مكتب الاستخبارات” كانت القوة مكوّنة من ثلاثة أفراد يرتدون أشكال مختلفة من الكاكي ويحملون أسلحة من نوع كلاشينكوف وأفاد الضحية بأنهم يتبعون للقائد المعروف التاج فولجانق الذي كانت قواته تسيطر على منطقة المزاد كما تمكن من تذكر اسمين من أفراد القوة هما شريف ومحمد إبراهيم، قبل اقتياده عاد الضحية إلى داخل المنزل وأخبر شقيقه بما يحدث وأخذ معه بطاقاته الثلاث وبخاخ الأزمة الطبي ثم اقتيد مشياً على الأقدام إلى أحد المنازل التي حُوِّلت إلى معتقل في حي المزاد شمال، وأثناء الطريق بدأ أفراد القوة باستجوابه واتهامه بأنه عسكري يتخفى بين المدنيين وأنه يتبع للقوات المسلحة وحين وصل إلى المنزل المظلم الذي يستخدم كمقر احتجاز بدأ أفراد القوة بضربه فوراً بدبشك السلاح ثم اتهموه بأنه رقيب أول في الجيش وأنه المتسبب في ضرب مواقعهم بالهاون وعندما أنكَر التهمة جرى اقتياده إلى غرفة داخل المنزل حيث انهال عليه ما بين ستة إلى سبعة أفراد بالضرب باستخدام العصي والخرطوش وتفحص أفراد القوة بطاقاته الشخصية فاعتبروا بطاقته الوظيفية دليلاً على أنه من يصرف الأموال للناس أما بطاقة الجامعة فقد فسّروها على أنها دليل على أنه من يجلب الطيران والمسيرات وعندما أنكَر الضحية هذه المزاعم وُجّهت إليه المزيد من الاتهامات منها أنه يدير حسابات مالية عبر تطبيق بنكك ورغم إيضاحه بأن حسابه مغلق منذ شهر فقد تعرض للضرب المبرح وعندما حاول استخدام بخاخ الأزمة بسبب ضيق التنفس انتزعوه منه وسخروا من مرضه بقولهم الليلة نطلع منك الأزمة دي وبعد فترة من التعذيب ظهر ثلاثة أفراد من المنزل المجاور وسألوا القوة عن هوية الضحية فأخبرهم أفراد المجموعة أنه بتاع بنكك في اتهام جديد بأن الضحية يتعامل في الأموال النقدية ويذهب إلى منطقة شرق النيل ورغم نفيه التام لذلك استمرت القوة في ضربه وتهديده بل وأشاروا إلى بئر داخل المنزل وقالوا له إن داخله جثث لأشخاص تمت تصفيتهم وإنه سينضم إليهم إن لم يعترف بأنه استخبارات يتبع للجيش واستمر الأمر إلى أن تورّمت قدماه واتهموه بأنه عسكري مدرّب لأنه لا يبكي من الضرب وعند الحادية عشرة ليلاً أجبرته القوة على العودة معهم إلى منزله لإحضار هاتفه فقام شقيقه بإخفاء الهواتف الكبيرة إلا أن أفراد القوة صادروا هاتفه القديم وهاتف شقيقه بعد تفتيش شامل للمنزل ثم غادروا وهم يهددونه بأنهم سيعودون
وفي الخامس والعشرين من يناير 2025 وعقب دخول قوات الجيش إلى منطقة المزاد وطلبها من الأهالي إخلاء المنازل لأنها ستتحول إلى منطقة عمليات جرى ترحيل الرجال على متن عربات نقل الجنود بينما نقلت النساء عبر التاتشرات وأثناء التحرك عبر الشوارع الداخلية وصولاً إلى منطقة الشمبات قرب مصنع ويتا للدقيق تعرّضت العربة التي تقل المدنيين لإطلاق نار من قناص متمركز أعلى المصنع فأصيب أربعة أشخاص داخل العربة اثنان إصابات سطحية بينما أصيب الضحية وشخص آخر بكسور في الساق ويذكر الضحية أنه فقد وعيه ثلاث مرات وأن السائق رفض التوقف بحجة أن المكان خطير للغاية وواصل السير إلى أن وصل إلى منطقة آمنة قرب كبري الحلفايا ومن هناك نُقل المصابون إلى مركز نور الهدى ثم إلى مستشفى النو بأم درمان حيث خضع الضحية لعملية جراحية مكث بعدها خمسة أيام في المستشفى ثم واصل علاجه لمدة ثلاثة أشهر قبل تحويله إلى عطبرة لإجراء عملية دقيقة أخرى وقد خضع الضحية لثلاث عمليات جراحية ولا يزال بحاجة إلى عملية رابعة نهائية
يمتلك الضحية أدلة موثقة تدعم روايته بشأن واقعة الاعتقال وتشمل صورًا لزي الجهة التي نفذت عملية الاحتجاز ما يتيح التعرف على طبيعة القوة المشاركة كما تتوفر صور واضحة للإصابات التي تعرض لها أثناء وبعد عملية الاعتقال إضافة إلى تقرير طبي صادر من جهة مختصة يثبت الحالة الجسدية ويؤكد طبيعة الأذى الذي لحق به، وتمثل هذه الأدلة مجتمعة عناصر توثيقية مهمة تعزز مصداقية الإفادة وتساهم في بناء تصور دقيق عن الانتهاكات التي وقعت
إن هذه الشهادة تمثل نموذجاً حياً لحجم الانتهاكات التي تعرّض لها المدنيون في مدينة بحري خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع عليها وتبيّن بوضوح كيف تحوّل المدنيون إلى أهداف للاحتجاز غير القانوني والتعذيب والتهديد بالتصفية وكيف جرت ممارسة هذه الانتهاكات في مقار احتجاز غير قانونية داخل منازل المدنيين أنفسهم كما تُظهر الشهادة حجم المخاطر التي واجهها السكان حتى أثناء عمليات الإخلاء التي كان يفترض أن تضمن سلامتهم والتي انتهت بإصابة عدد منهم بإطلاق النار رغم عدم مشاركتهم في أي أعمال قتالية، ويخلص مرصد كادن لحقوق الإنسان إلى أن ما جرى في مدينة بحري لا يمكن اعتباره أحداثاً معزولة بل يمثل نمطاً واضحاً من الانتهاكات الممنهجة، وأن توثيق هذه الأحداث السابقة من قبل المرصد يهدف إلى مساءلة المنتهكين وضمان عدم إفلاتهم من العقاب مهما طال الزمن، وحفظاً دقيقاً للأدلة وضماناً لحقوق الضحايا في العدالة والانتصاف وتوفير الحماية اللازمة للشهود ومن تعرضوا للانتهاكات بما يمنع تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً



