الخلية الأمنية بمدينة الأبيض ، نموذج للترهيب الممنهج ضد المدنيين

الخلية الأمنية بمدينة الأبيض ، نموذج للترهيب الممنهج ضد المدنيين

يستعرض هذا التقرير النشاط المكثف للخلية الأمنية في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ويحلل الأساليب التي تعتمدها للترهيب والمراقبة والسيطرة على المدنيين. يركز التقرير على التوزع المكاني للخلية داخل المدينة، أساليب الاعتقال والمراقبة، ظروف الاحتجاز والمعاملة، النشاط الإعلامي والتنسيق مع السلطات المحلية، مع تقديم أمثلة واقعية مثل اعتقال السيدة فدوى أحمد آدم. كما يسلط التقرير الضوء على الجرائم المرتبطة بتكوين الخلية الأمنية، والتي تشمل الاعتقالات العشوائية دون أوامر قضائية، احتجاز المدنيين لفترات طويلة دون محاكمة، التعذيب الجسدي والنفسي، التفتيش القسري للهواتف والمراسلات الشخصية، وملاحقة العائلات لمجرد ارتباط أحد أفرادها بالقوات العسكرية، إضافة إلى استخدام المنازل والمكاتب المدنية كمقرات اعتقال غير رسمية. يهدف التقرير إلى تقديم صورة شاملة عن كيفية عمل الخلية الأمنية كأداة قمعية، ومدى تأثيرها المباشر على الحياة اليومية للمدنيين في الأبيض، وإظهار استمرار الانتهاكات الممنهجة خارج إطار القانون.

الخلفية التاريخية للخلية الأمنية في السودان وشمال كردفان

الخلية الأمنية هي تشكيل أمني شبه رسمي يُنشأ في السودان عادةً ضمن مناطق تسيطر عليها القوات النظامية أو بعد إعلان حالات الطوارئ. تضم هذه الخلايا عناصر من أجهزة الأمن والمخابرات والشرطة، بالإضافة إلى مستنفَرين محليين وأفراد مرتبطين بالنظام السابق، وتهدف إلى جمع المعلومات الاستخباراتية، مراقبة النشاط المدني والسياسي، وفرض الانضباط عبر الترهيب. في ولاية شمال كردفان، ظهرت الخلية الأمنية بعد تصاعد النزاعات المسلحة، حيث تم تكليفها بمراقبة المدنيين والسيطرة على الفضاء العام ضمن مدينة الأبيض، لتصبح أداة تنفيذية شبه رسمية تخضع لتوجيهات جهاز الأمن والمخابرات، وتعمل تحت مظلة السلطة الولائية. الهدف الأساسي لهذه الخلية مزدوج: الأول تنفيذ عمليات أمنية واستخباراتية عاجلة، والثاني السيطرة على المواطنين عبر الترهيب والمراقبة المستمرة، بما يضمن ضبط كل نشاط معارض أو مشبوه وفق المعايير التي تفرضها السلطة.

ظهور هذه الخلية يعكس استمرار آليات السيطرة الأمنية التي كانت موجودة في السودان منذ النظام السابق، حيث كان الاتحاد الطلابي التابع للحزب الحاكم يشكل مصدرًا لتجنيد عناصر للرقابة والتأثير السياسي. مع تصاعد الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، أصبحت الحاجة لتشكيل خلية أمنية في الأبيض أمرًا ملحًا للسلطات لضمان السيطرة على المدينة، وفرض الرقابة على الخطاب العام، وفرض العقاب الجماعي على أي نشاط معارض.

انتشار ونشاط الخلية الأمنية في مدينة الأبيض

تنتشر الخلية الأمنية في مختلف أحياء مدينة الأبيض بطريقة منظمة ومتكاملة، بحيث يشمل انتشارها كل المكونات الحيوية تقريبًا. يقع المقر الرئيسي للخلية في السوق الكبير، ويستخدم كمركز لتنسيق العمليات الميدانية واستقبال التقارير من بقية المكاتب. المكتب الفرعي في حي الصفا، بالقرب من مدارس دار الفكر بشارع طيبة شمال، يُستخدم عادة للاحتجاز القصير والاستجواب، فيما تم إعادة استخدام مبانٍ كانت تابعة سابقًا لقوات الدعم السريع كمقرات ميدانية لاستيعاب العمليات الطارئة والاعتقالات المؤقتة. في حي الشارقة تنتشر سبعة مكاتب، منها خمسة منازل سكنية تم تحويلها إلى مواقع احتجاز غير رسمية، تُستخدم للتحقيق المؤقت أو كمراكز لإخفاء المعتقلين قبل نقلهم إلى المقر الرئيسي، أما حي البترول فيضم ثلاثة مكاتب إضافية، ما يعكس انتشارًا واسعًا للخلية داخل الفضاء المدني.

هذا الانتشار الكثيف يعكس استراتيجية الخلية في استغلال الأحياء السكنية لممارسة السيطرة المباشرة على السكان، ويمثل تطبيعًا لاستخدام الفضاء المدني كأداة قمعية، مما يضاعف خطرها على المدنيين الذين يعيشون بالقرب من المكاتب والمقار الأمنية، إذ يصبح كل نشاط اعتيادي عرضة للمراقبة والمساءلة.

التركيبة البشرية للخلية تتبع جهاز الأمن والمخابرات مباشرة، ويتكون معظم أفرادها من عناصر سبق أن كانوا جزءًا من اتحاد طلاب جامعة كردفان في فترة النظام السابق. التعليمات تصدر بشكل تسلسلي من مكتب الأمن المركزي، وعدد الأفراد يقدر بالعشرات دون وجود إحصاء رسمي. هذه التركيبة تجعل الخلية قادرة على تنفيذ عمليات معقدة تشمل التنسيق بين المكاتب الميدانية والمقر الرئيسي، إضافة إلى القدرة على تنفيذ الاعتقالات بشكل سريع وعشوائي.

أساليب القمع والمراقبة

تعتمد الخلية على مزيج من الاعتقالات العشوائية والمراقبة الرقمية المنظمة. يتم اعتقال المدنيين من الأسواق والمنازل وأماكن العمل دون أوامر قضائية، وغالبًا بناءً على الاشتباه أو نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي. تشمل الاعتقالات الحالات الفردية والعائلية، حيث يمكن أن تُعتقل امرأة لمجرد أن أحد أقاربها مرتبط بقوات الدعم السريع، أو يتم اعتقال مجموعات من الأشخاص ضمن معسكرات الإيواء ومنع زيارتهم لفترات طويلة. بعض المعتقلين ظلوا في الحبس لثمانية أشهر دون توجيه أي تهمة أو محاكمة.

ظروف الاحتجاز داخل المكاتب أو المنازل غير المهيأة شديدة القسوة، مع منع التواصل والزيارات، وتوثق حالات ضرب وإهانة وتهديد، خاصة ضد النساء والمشتبه بهم في نشر محتوى على الإنترنت. بعد الإفراج عن البعض، يظل الخطر قائمًا من خلال المراقبة المستمرة ومنع استخدام الهواتف والإنترنت، ما يخلق بيئة مستمرة من الخوف وعدم الأمان.

النشاط الإعلامي للخلية يعزز آليات القمع، حيث تدير صفحة رسمية على فيسبوك باسم “الخلية الأمنية – مدينة الأبيض”، بالإضافة إلى حسابات ثلاثة أفراد ينشرون خطاب كراهية وتحريض ضد المعارضين، وهم أحمد جمعة جديد، الصادق أحمد جمعة صباح، ونضال أحمد محجوب. في 27 أكتوبر 2025، عقدت الخلية اجتماعًا مع والي ولاية شمال كردفان لتنسيق اعتقال أي شخص يدعو المواطنين لمغادرة المدينة وتفعيل أرقام طوارئ لتلقي البلاغات عن أي نشاط معارض، ما يؤكد دورها كجهاز شبه رسمي يحظى بحماية سياسية.

حالة السيدة فدوى أحمد آدم توضح نمط القمع الذي تمارسه الخلية، إذ اعتُقلت مع أبنائها الأربعة في أبريل 2023 واحتُجزوا أسبوعًا دون تهمة، وفرضت عليهم مراجعة دورية، ثم اعتُقلت مجددًا في أكتوبر 2023 وتعرضت للإهانة والضرب قبل الإفراج عنها، ومنذ ذلك الحين تخضع لمراقبة مستمرة من عناصر الخلية. هذا المثال يعكس كيفية استخدام الخلية الأمنية للعقاب الجماعي والترهيب كوسيلة للسيطرة على المدنيين في الأبيض.

النشاط الواسع للخلية الأمنية في الأبيض يظهر نمطًا من الهيمنة الأمنية الموازية التي تعمل خارج القانون، وانتشار المكاتب في الأحياء السكنية وتحويل المنازل إلى مقار اعتقال يشير إلى تطبيع استخدام الفضاء المدني لأغراض قمعية. الهدف الأساسي هو السيطرة على الخطاب العام عبر العقاب الجماعي والمراقبة المستمرة، مما يجعل الخلية الأمنية في الأبيض نموذجًا مصغرًا لشبكات القمع غير الرسمية في السودان، ويكشف عن استمرار الانتهاكات الممنهجة بحق المدنيين في المدينة